recent
أخبار ساخنة

نفحات إيمانية ومع موقعة دير الجماجم ( الجزء الثالث ) / وطنى نيوز


إعداد / محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء الثالث مع موقعة دير الجماجم، وقد وقفنا عندما كتب الحجاج إلى عبد الملك يقول له " يا أمير المؤمنين، والله لئن أعطيت أهل العراق نزعي عنهم، لا يلبثون إلا قليلا حتى يخالفوك ويسيروا إليك، ولا يزيدهم ذلك إلا جرأة عليك، ألم تر وتسمع بوثوب أهل العراق مع الأشتر النخعي على ابن عفان فلما سألهم، ما تريدون؟ قالوا : نزع سعيد بن العاص، فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إليه فقتلوه؟ وإن الحديد بالحديد يفلح، كان الله لك فيما ارتأيت، والسلام عليك" قال، فأبى عبد الملك بن مروان، إلا عرض هذه الخصال على أهل العراق كما أمر، فتقدم عبد الله ومحمد ، فنادى عبد الله، يا معشر أهل العراق، أنا عبد الله ابن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان وإنه يعرض عليكم كيت وكيت.
فذكر ما كتب به أبوه معه إليهم من هذه الخصال، وقال محمد بن مروان، وأنا رسول أخي أمير المؤمنين إليكم بذلك، فقالوا : ننظر في أمرنا غدا، ونرد عليكم الخبر عشية، ثم انصرفوا، فاجتمع جميع الأمراء إلى ابن الأشعث، فقام فيهم خطيبا، وندبهم إلى قبول ما عرض عليهم من عزل الحجاج عنهم، وبيعة عبد الملك بن مروان، وإبقاء الأعطيات، وإمرة محمد بن مروان على العراق بدل الحجاج بن يوسف، فنفر الناس من كل جانب، وقالوا : لا والله لا نقبل ذلك، نحن أكثر عددا وعددا، وهم في ضيق من الحال، وقد حكمنا عليهم وذلوا لنا، والله لا نجيب إلى ذلك أبدا، ثم جددوا خلع عبد الملك بن مروان ثانية، واتفقوا على ذلك كلهم، فلما بلغ عبد الله بن عبد الملك وعمه محمد بن مروان الخبر قالا للحجاج بن يوسف.
شأنك بهم إذا، فنحن في طاعتك كما أمرنا أمير المؤمنين، فكانا إذا لقياه سلما عليه بالإمرة، ويسلم هو أيضا عليهم بالإمرة، وتولى الحجاج أمر الحرب وتدبيرها، كما كان قبل ذلك، فعند ذلك برز كل من الفريقين للقتال والحرب، فجعل الحجاج بن يوسف، على ميمنته عبد الرحمن بن سليمان الكلبي، وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللخمي، وعلى الخيل سفيان بن الأبرد، وعلى الرجالة عبد الرحمن بن حبيب الحكمي، وجعل ابن الأشعث على ميمنته الحجاج بن حارثة الخثعمي ، وعلى الميسرة الأبرد بن قرة التميمي، وعلى الخيالة عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة، وعلى الرجالة محمد بن سعد بن أبي وقاص الزهري، وعلى القراء جبلة بن زحر بن قيس الجعفي، وكان في القراء سعيد بن جبير، وعامر الشعبي.
وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وكميل بن زياد، وكان شجاعا فاتكا على كبر سنه، وأبو البختري الطائي وغيرهم، وجعلوا يقتتلون في كل يوم، وأهل العراق تأتيهم الميرة من الرساتيق والأقاليم، من العلف والطعام وغيره، وأما أهل الشام الذين مع الحجاج بن يوسف ففي ضيق من العيش، وقلة من الطعام، وقد فقدوا اللحم بالكلية فلا يجدونه، وما زالت الحرب في هذه المدة كلها، حتى انسلخت هذه السنة وهم على حالهم وقتالهم في كل يوم، أو يوم بعد يوم، والدائرة لأهل العراق على أهل الشام في أكثر الأيام، وقد قتل من أصحاب الحجاج زياد بن غنم، وكسر بسطام بن مصقلة في أربعة آلاف جفون سيوفهم، واستقتلوا، وكانوا من أصحاب ابن الأشعث، وقد جمع الحجاج بن يوسف، جيوشه وأعاد تنظيمها وقرر الهجوم.
على جيوش ابن الأشعث في البصرة، وبالفعل في شهر المحرم سنة اثنين وثمانين من الهجره، اصطدم الجيشان وحمي الوطيس جدا، وقتل الكثير من الفريقين حتى كان الحجاج يجثو على ركبتيه ويقول "ما كان أكرم مصعب بن الزبير حتى صبر نفسه للقتل" وكان مصدر قوة ابن الأشعث التأييد المعنوي من الفقهاء والعلماء والقراء الذين بايعوه على الثورة وانضموا للقتال الفعلي وكانوا أشد الناس في القتال، وكان شعارهم يوم الزاوية "يا تارك الصلاة" لأن الحجاج بن يوسف كان يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها، واستمر القتال طوال اليوم حتى حمل أمير الفرسان في جيش الحجاج سليمان بن الأبرد على ميسرة جيش الثورة فكسرهم، واختلط الناس بعضهم ببعض وفر ابن الأشعث ودخل الكوفة.
وظل قائد جيوشه عبد الرحمن بن عياش يقاتل لمدة خمسة أيام متصلة ثم دخل الكوفة ولحق بابن الأشعث، وكان أهل الكوفة قد بايعوا عبد الرحمن بن الأشعث فقوي شأنه مرة أخرى ونظم جيوشه وحفظ الثغور والطرق والمسالك، وحاول الحجاج اختراق الحراسات إلى الكوفة ولكنه لم يفلح، فعسكر بجيوشه في منطقة دير قرة، ونزل ابن الأشعث وجيوشه في منطقة دير الجماجم ومع ابن الأشعث قرابة المائتي ألف، وظل الجيشان في حالة تربص أمام بعضهما البعض فترة طويلة، وقد طال المقام بين الجيشين واضطرب أمر العراق جدا، وتربص أعداء الإسلام من بلاد ما وراء النهر نتيجة تفرق المسلمين، وهذا الأمر دعا عبد الملك بن مروان لأن يرسل أخاه محمدا وولده عبد الله برسالة للثائرين يقول فيها.
"إن كان يرضيكم خلع الحجاج عنكم خلعناه، وجعلنا مكانه محمد بن مروان، وأن يكون عبد الرحمن بن الأشعث أميرا على أي بلد يحب"، وكره الحجاج ذلك بشدة وحذر عبد الملك من غدر أهل العراق، وذكره بما جرى لعثمان بن عفان عندما استجاب لرغبات أهل العراق وخلع عنهم سعيد بن العاص، وكيف أنهم لم يقنعوا بذلك حتى ساروا إليه آخر العام وقتلوه، ولكن عبد الملك يصر على رأيه ويرسل أخاه وولده، فقام عبد الرحمن فيهم خطيبا، وندبهم إلى قبول العرض لما فيه من الخير وحقن الدماء وعزل الحجاج الظالم، ولكن الثوار يرفضون العرض تماما، ويظنون أن عبد الملك لم يعرض ذلك لهم إلا بسبب ضعفه، وكان هذا الرفض يعتبر الغلطة الثانية والأخطر في نفس الوقت.
لأن العرض الذي قدمه عبد الملك كان عادلا وفيه خير كثير، ورفضه دليل انحراف الحركة من تغيير المنكر وإزالة المظالم إلى طلب الدنيا والمناصب والسلطان، وعندما رفض الثوار العرض أمر عبد الملك بن مروان، الحجاج أن يواصل قتالهم، ويكون هو الأمير على الجميع، فاعتمد الحجاج سياسة النفس الطويل والمصابرة، فصف جيوشه أمام جيوش الثائرين ونشبت حرب أشبه ما تكون بحرب الاستنزاف بين الفريقين، ودخلت سنة ثلاثه وثمانين من الهجره، والجيشان بينهما مبارزات فردية كل يوم، وأحيانا تحمل مجموعة من هذا الجيش على الآخر والعكس، حتى إن جيش ابن الأشعث كسروا أهل الشام، وهم جيش الحجاج، بضعا وثمانين مرة ينتصرون عليهم، ومع هذا فالحجاج ثابت في مكانه صابر ومصابر.
لا يتزحزح عن موضعه الذي هو فيه، وكان له خبرة كبيرة بالحروب ففي أثناء القتال كان يتقدم قليلا فقليلا وشيئا فشيئ، وإذا تقدم شبرا لا يتزحزح عنه، وما زال هكذا حتى قرر القيام بعمل ينهي هذه الثورة العاتية فأمر جنوده بالحمل مرة واحدة على موضع قوة جيش ابن الأشعث وهم كتيبة القراء، وركز هجومه على هذه الكتيبة حتى قتل منهم خلقا كثيرا، وكان ذلك سبب انهزام باقي الجيش الذي اضطرب نظامه واختلت صفوفه وفروا في كل اتجاه، وفر ابن الأشعث من أرض المعركة، فأتبع الحجاج الفارين جيشا آخر فلحق بهم، وأمعن فيهم القتل والأسر، وسار خلفهم يحرر البلاد والأقاليم.
التي دخلت في طاعة ابن الأشعث، وقد فرَّ ابن الأشعث ومن معه إلى بلاد الملك رتبيل، ودخل في جواره، وأكرمه رتبيل وعظمه، واجتمع بخراسان مجموعة كبيرة من جيشه، وكتبوا إليه ليقدم عليهم، ليعيدوا الكرة مرة أخرى على الحجاج، ولكن جهودهم لم يكتب لها النجاح، وعاد عبد الرحمن بن الأشعث إلى الملك رتبيل وأقام عنده، وأخذ الحجاج يتتبع كل من خرج من ابن الأشعث وأمعن فيهم القتل حتى قيل أنه قد قتل منهم صبرا بين يديه، مائة وثلاثين ألفا آخرهم سعيد بن جبير، ثم أرسل الحجاج إلى رتبيل يتوعده ويتهدده ويقول له "والله الذي لا إله إلا هو، لئن لم تبعث إليَّ بابن الأشعث لأبعثن إلى بلادك ألف ألف مقاتل وأخربنها"، فأرسل رتبيل يشترط عليه ألا يقاتله الحجاج عشر سنين،
وألا يؤدي في كل سنة إلا مائة ألف من الخراج فوافق الحجاج، فعندها غدر رتبيل بابن الأشعث وقتله وأرسل برأسه للحجاج، وهذا جزاء من ظن أن في الكفار ملجأ ومأمنا، وهكذا انتهت هذه الثورة التغييرية التي ما جنت ولا ثمرة واحدة، وخلفت ورائها عشرات آلاف من القتلى، وأضعفت الأمة وبقي الظلم كما هو، ذلك لأنها قد انحرفت بأهدافها عن إزالة الظلم إلى طلب الدنيا وطلب الثأر بأحقاد قديمة، و حتى لا نتأثر نحن داخليا فعلينا أن نحسم الصراعات مع الآخرين بشكل كامل وبطريقة سليمة، لأن الصراع الخارجي مع الأشخاص الآخرين غير المحسوم يؤدي إلى صراع نفسي داخلي مزعج ومقلق، وهذه حقيقة يجب ألا تغيبَ عن بالنا،وبخاصة أنها قد تتطور لينتج عنها نوع من المرض النفسي، ولنتجنب الدخول في صراعات جديدة علينا أن نفهم ما هي الظروف التي تتسبب في حدوث الصراعات بين الناس.
google-playkhamsatmostaqltradent
close