recent
أخبار ساخنة

نفحات إيمانية ومع الجعد بن درهم (الجزء الأول) / وطنى نيوز



إعداد / محمـــد الدكـــرورى
الجعد بن درهم، وهو أصله من خراسان، وقد أسلم أبوه وصار من موالي بني مروان، والجعد بن درهم، قد ضحى به خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بمدينة واسط بالعراق وقال أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه، وقد ولد الجعد بن درهم في خراسان وهاجر بعد ذلك إلى دمشق حيث أقام هناك، وكان الجعد يعيش في حي للنصارى، حيث تأثر هناك بجو الآراء الفلسفية المسيحية التي كانت تثار حول طبيعة الإله، وكان يكثر من التردد إلى وهب بن منبه وهو أحد كبار التابعين، وكان كلما راح إلى وهب يغتسل ويقول اجمع للعقل، وكان يسأل وهب عن صفات الله عز وجل، وكان وهب ينهاه عن ذلك، وقد أعجب محمد بن مروان به وبعقليته فاختاره ليكون معلما لابنه مروان بن محمد.
وكروان بن محمد هو آخر خلفاء بني أمية، وأما عن وهب، فهو وهب بن منبه بن كامل بن سيج أبو عبد الله الصنعاني، ويقال الذماري نسبة لذمار في اليمن، وقد ولد في سنة أربعه وثلاثين للهجرة، وكان وهب من أصول يهودية يمنية، ويُقال أنه أسلم أبوه على عهد النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فحسُن إسلامه وسكن اليمن، ويعتقد أن وهب زهد في آخر حياته، لكثرة ما قرأ من الكتب الدينية المقدسة وكتب سير الأنبياء والرسل الكرام الذين جاؤوا قبل النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وقد توفى وهب سنة مائه وعشره من الهجره، وكانت وفاته في صنعاء باليمن، ووهب بن منبِّه بن كامل بن سيج بن ذي كبار، هو تابعي جليل، وله معرفة بكتب الأوائل وإخباري قصصى ويُعد أقدم من كتب في الإسلام، وكان ممن قرأ الكتب ولزم العبادة وواظب على العلم وتجرد للزهد، وقد عدّه أصحاب السيَر.
من الطبقة الثالثة من التابعين، وقد قال الذهبي عنه، أنه روايته للمسند قليلة، وإنما غزارة علمه في الإسرائيليات، ومن صحائف أهل الكتاب، وقد روى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومحمد بن ماجة في التفسير، وقد اهتم وهب بأخبار العرب في الجاهلية، وروى أخبار غير العرب التي استقاها من الكتب المقدسة، ويغلب على أخباره طابع القصص الشعبي الخرافي، لذلك يوصف بأنه مؤرخ إخباري وعالم بأساطير الأولين، وأكثر ما يُروى عن وهب إنما هو حِكم ومواعظ، وكانت غزارة علمه في الإسرائيليات، وصحف أهل الكتاب، وأما روايته للأحاديث فهي قليلة، وقد ألَّف وهب عدة كتب في موضوعات شتى، لكن لم يصل أي كتاب من كتبه كاملا، بل اقتصر الأمر على المقتبسات التي نقلها عنه كل من ابن إسحاق والطبري، وابن قتيبة وغيرهم، وينسب إليه كتاب الملوك المتوّجة.
من حمير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم وأشعارهم، وقد وصلت إلينا أجزاء منه في كتاب التيجان في ملوك حمير، لابن هشام، كما ينسب إليه كتاب المبتدأ، الذي يشير عنوانه إلى ابتداء الخليقة، وقد اعتمد عليه ابن قتيبة في كتاب المعارف، والطبري في كتابه تاريخ الرسل والملوك، والمقدسي في كتابه البدء والتاريخ، وأحمد بن محمد الثعلبي في كتابه عرائس المجالس في قصص الأنبياء، وأما عن الجعد بن درهم، فقد أراد الجعد أن يبالغ في توحيد الله تعالى وتنزيهه، مما دفعه إلى القول بنفي الصفات التي توحي بالتشبيه وتأويلها، ومن بينها صفة الكلام، مما أدى به إلى أن يقول بخلق القرآن، وقيل أنه تأثر في قوله هذا بشخص يدعى أبان بن سمعان وهو الذي كان أول من قال بخلق القرآن من أمة الإسلام، وخلق القرآن وعرفها البعض بـمحنة خلق القرآن وهو فكر انتشر في عهد الخليفة العباسي المأمون من قبل فرقة المعتزلة
والتي تعد أن القرآن الكريم هو مخلوق وكلام الله مخلوق وهو ما ابتدع القول به الجهم بن صفوان، واقتنع بهذا الرأي الخليفة المأمون وطالب بنشر هذا الفكر وعزل كل قاضى لا يؤمن به، وهو ما لقي معارضة واستهجان كثير من الائمة مثل الإمام أحمد بن حنبل والذي تحمل من أجل ذلك الكثير من التعذيب حتى قام الخليفة المتوكل بإنهاء هذه المحنة وأفرج عنه، وأصل هذه المسألة شبهة قديمة أراد أن يثيرها يوحنا الدمشقي الذي قال إذا كان القرآن غير مخلوق فهو أزلى وبالمثل فإن النبي عيسى أزلي لأنه كلمة الله، وإن كان مخلوق فهو منفصل عن قدسية الله مثل باقى المخلوقات، والرد أن القرآن علم من علوم الله غير مخلوق أزلي علمه وحادث نزوله وخلق عيسى وسائر المخلوقات أزلي علم الله بهم وحادث خلقهم، وقد كان ظهور فرقة المعتزلة تأسيسا لما أصبح يسمى بعلم الكلام الذي اختص بدراسة قضايا العقيدة،
أما في الواقع فقد مثل المعتزلة بداية التفاعل مع التصور السائد الديني والمعرفي والفكري في البلاد المفتوحة وبداية تعديل تفسير النص المقدس وفق أسس عقلية تحديدا، ولقد كانت مدرستا النقل في الحجاز والعقل في العراق في مقاربة القضايا الفقهية قد تمايزتا لتحددا المقاربتين الأبرز للنص المقدس، وهكذا إلى جانب القضايا السياسية الساخنة المتعلقة بقضية الإمامة وتبرير ظهور الملك العضوض وهو شخصية الحاكم المطلق، وقد برزت قضية هامش ودور العقل في مقاربة النص المقدس وتفسيره، وقد أراد المعتزلة أن يفسروا النص المقدس بما يحقق انسجامه مع مقتضيات العقل فيما اعتمدت مدرسة أهل الحديث على مبدأ تقديم النقل على العقل، ومن هذه المقدمة وصل المعتزلة إلى نفي صفات الذات الإلهية فأبطلوا أن تشاركه في القدم ومن هذا النفي كان اعتبارهم القرآن الكريم، مخلوقا أي محدثا.
ومن هنا بدأت المحنة، أو محنة خلق القرآن وهي تعد تتابع أحداث في التاريخ الإسلامي واستمرت قرابة خمسة عشر عاما، وإن من أسباب نشوء المحنة كان محاولة من الخليفة العباسي المأمون في عام مائتين وثمانى عشر من الهجره، لفرض آرائه الفلسفية حول عدة مواضيع، وكان يتلخص في سؤال واختبار أشخاص بعينهم، فيما يرونه من وجهة نظرهم، حول ما إذا كان القرآن مخلوقا أم لا، فكل الطوائف أجابت أن القرآن هو الكلمة التي لم تمسها شائبة منسوبة إلى الله العلي، بما يعنى أن القرآن كلام الله ولم يخلق، وكانت المسألة هل القرآن مخلوق؟ وكان هذا هو موقف ورأى المأمون، أم أن القرآن هو كلام الله، وكان هذا الجواب الأخير لايخلو من العواقب من قبل المحققين واتخذت ذرائع ضد من رفض الزعم بخلق القرآن، بما فيها الفصل من الوظيفة العمومية، والسجن، وحتى الجلد أيضا.
واستمرت المحنة بعد وفاة المأمون وفي عهد خلفه المعتصم بالله والواثق بالله وقد انتهت بوصول المتوكل على الله، وقد تشكل مسألة خلق القرآن التي قال بها المعتزلة أخطر القضايا المثارة في الجدل اللاهوتي الذي شهده التاريخ الإسلامي في العصرين الأموي والعباسي، بل إن هذه القضية لا تزال تحتل موقعا راهنا في السجال حول كيفية قراءة النص الديني، وقد أتى قول المعتزلة بان القرآن مخلوق وليس أبديا تطبيقا عمليا لاعتماد العقل في تفسير الشريعة الإسلامية، واستندوا هنا أيضا على نصوص دينية لدعم حجتهم، وفي هذا المجال، انطلق المعتزلة من مسألة صفات الله تعالى، فبعد أن قرروا وحدة الذات الإلهية وصفاتها، وقرروا نفي الصفات الزائدة عن الذات، تحولوا إلى النظر في ما ورد من هذه الصفات داخل النصوص الدينية عبر إخضاعها إلى التأويل العقلي، وقد اعتبر المعتزلة أن القرآن يحوي نصوصا متنوعة.
ومختلفة ومتعارضة أحيانا، ففيها من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد والكلام التشريعي والكلام الإخباري والكلام الوضعي، كما يجمع بين المسائل الروحية والدنيوية في آن واحد، وإذا كان ليس جائزا تنسيب التناقض في القول إلى الله تعالى، ويصبح من الضرورة إذا اللجوء إلى النظر العقلي لتفسير ما ورد في القرآن الكريم، مما ينزع عنه الأبدية أو عدم الاجتهاد في نصوصه، لأن كلام الله محدث ومخلوق في محل، كما هو حرف وصوت كتب أمثاله في المصاحف حكايات عنه، وكما يشير المعتزلة إلى ذلك، ويذهب القاضي عبد الجبار وهو أحد ابرز أركان المعتزلة في شرحه مبررات القول بخلق القرآن إلى القول، إن القرآن كلام الله ووحيه، وهو مخلوق محدث، وقد أنزله الله على نبيه ليكون علما ودالا على نبوته، وجعله دلالة لنا على الأحكام لنرجع إليه في الحلال والحرام، واستوجب منا بذلك الحمد والشكر.

 

google-playkhamsatmostaqltradent
close