recent
أخبار ساخنة

الشخصية الصعيدية بين الحقيقة والنمطية بقلم محمد عبده سليم


 

بقلم د. محمد عبده سوهاج

شتان بين الصورة الحقيقية للشخصية الصعيدية والصورة النمطية التي تلتزم بها أعمال الدراما المصرية ،ولأن الإعلام له مفعول السحر على عقول الناس فإنك تجدهم يصدقون تلك الصورة النمطية ،وخاصة من لم يُكتب له من قبل زيارة الصعيد والتعامل مع أهله وخاصة أهل القرى.

ولم تسلم شخصية الرجل الصعيدي فى أعمال السينما والمسرح والتلفزيون من التلاعب بملامحها وتناولها بطريقة ساخرة والتعامل معه كشخصية ساذجة يسهل خداعها والتلاعب بها وتشويه ملامحها فتارة يظهر كشخص منحرف وتارة تاجر مخدرات ومقاوم للسلطات وذاك أمر مخالف للواقع ومجافى للحقيقة. 

ولم يقتصر الأمر على الرجل الصعيدي بل تعداه إلى المرأة الصعيدية فمن السخرية من الرجل إلى الانحراف فى سلوك المرأة الصعيدية ،فيتم عرض الصعيد الذي هجره رجاله فانحرفت نساؤه وانخرطت مع علاقات محرمة أو تظهر لنا المرأة الصعيدية فى صورة المرأة القوية المهيمنة والمسيطرة على الرجال فى مجتمعها فلا يستطيعون التصرف دون استشارتها وموافقتها.

ومن الواضح أن أغلب من كتب عن الصعيد ما وطئت قدماه الصعيد من قبل ولو لمرة واحدة ولم يخالط المجتمع الصعيدي إنما كتب وألف وهو فى الغرف المكيفة فابتعد عن الواقعية ونسج من خياله شخصيات هزلية نسبها للصعيد دون أن يكون للصعيد علاقة بها ولا تصلح أن تنسب للصعيد ، فصورت تلك الكتابات الصعيد على أنه بيئة خصبة للانحراف وتجارة المخدرات والسلاح والعنف ومقاومة السلطات ،وسبق للشاعر عبد الرحمن الأبنودي أن أشار إلى أن أهل الصعيد لم يعرفوا معنى لمطاريد الجبل إلا بعد انتشار هذه المعلومة في الأفلام والمسلسلات ،فمعظم تلك الكتابات لم تكشف الوجه الحقيقي للمجتمع الصعيدي بل ساهمت فى تزييف واقع الصعيد ،وكما قال الكاتب الصحفى لويس جريس : صعيد المسلسلات ليس صعيدنا، فنحن لسنا لصوصاً أو قطاع طرق كما صورتنا الدراما.  

وتقتضى الأمانة أن تقدم الأعمال الدرامية صورة حقيقية تصحح المفاهيم عن البيئة والشخصية الصعيدية ،فليس الصعيد مرتعا للجهل يمسك الطفل منذ نعومة أظفاره بالسلاح كي يجيد استخدام البندقية والمسدس كما صورت ورسخت هذا المسلسلات والأفلام ،والواقع المعاش يؤكد أن من أهل قرى الصعيد من يولد ويموت دون أن تمس يده بندقية أو مسدس ولم يمسك سلاحا يوما بل ويخاف من صوت إطلاق النار.

لقد انتشرت المدارس فى القرى والنجوع بصورة كثيفة حتى أن الطالب لا يخرج من قريته إلا إلى الدراسة الجامعية ،وأود أن أوضح أنني في سوهاج (مسقط رأسي)، سكنت القرية وتعلمت فى مدارسها حتى التحقت بالجامعة ، ففي قريتي مدارس ابتدائية وإعدادية وثانوية ،ومعاهد أزهرية ،ومدرسة للثانوية التجارية ،ومدرسة للغات ،ومدرسة للنور والأمل تقوم على رعاية الفئات الخاصة. فكيف لبيئة فيها كل تلك المؤسسات التعليمية أن تكون مرتعا للجهل أو بيئة يخرج منها تجار السلاح والمخدرات والمنحرفين والخارجين على القانون كما تصور لنا الأفلام والمسلسلات؟

لقد تم إبراز البيئة الصعيدية وهى تغلى بالحروب والصراعات والناس فيها إما فى صورة فلاحين جهلاء متخلفين وإما فى صورة تجار آثار أو مهربين أو إقطاعيين ذوي نفوذ وسلطة مع التأكيد على صفات الطغيان والقسوة والبطش الشديد لدى أهل الصعيد.

هناك بالطبع بعض الظواهر والمشكلات والممارسات الاجتماعية الخاصة بالصعيد والتي لازالت مستمرة فى بعض مناطقه مثل جرائم القتل بدافع الثأر والتي تقع بسبب سلطان البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الفرد، وتحت تأثير ضغط التقاليد والعادات القوية التي تحكم العلاقات الإنسانية في مجتمعه ،ولكن من الخطأ تعميم هذه الظواهر والممارسات على كل مناطق الصعيد وإخراج ذلك فى عمل درامي يشاهده الناس فى كل أنحاء العالم ويكونون من خلاله انطباعا عاما عن الصعيد وأهلة.

والصعيد كيان واحد جغرافياً ولكنه ليس كتلة واحدة بل إنه متعدد اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً وبعض القيم والأخلاق السائدة في مناطق ليست بنفس الدرجة والقوة في مناطق أخرى ،والأمر يحتاج إلى دراسة أنثروبولوجية سوسيولوجية للبيئة الصعيدية لرصد أبرز التغيرات التي طرأت عليها فى ظل التحديات العالمية المعاصرة ثم يأتي دور الإعلام الصادق ليقدم لنا بكل أدواته صورة حقيقية تصحح المفاهيم عن البيئة والشخصية الصعيدية وتقدم حلولا للمشكلات التي تواجه المواطن الصعيدي.

google-playkhamsatmostaqltradent
close