recent
أخبار ساخنة

نفحات إيمانية ومع أم المؤمنين صفية بنت حيى ( الجزء الثالث )



بقلم:  محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثالث مع أم امؤمنين السيده صفيه بنت حيى، وقد وقفنا عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما لك يا عائشه، إن هذا ليس يومك؟ قالت ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " فقال مع أهله " فلما كان عند الرواح، قال لزينب بنت جحش " أفقرى لأختك صفيه جميلا " وكانت من أكثرهن ظهرا، فقالت: أنا أفقر يهوديتك، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين سمع ذلك منها، فهجرها، فلم يكلمها حتى قدم مكة وأيام مِنى من سفره حتى رجع إلى المدينة والمحرَّم وصفر، فلم يأتها ولم يقسم لها، فأَيِست منه، فلما كان شهر ربيع الأول دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم،  فرأت ظله، فقالت: إن هذا الظل ظل رجل، وما يدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم، فمن هذا؟ 

فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم،  فلما رأته قالت: رسول الله، ما أدري ما أصنع حين دخلت عليَّ، وكانت لها جارية تخبِّئها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: فلانة لك، ومما يذكر عن اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم، بالسيدة صفية رضي الله عنها، وإكرامه لها، أنها رضي الله عنها، جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، تزوره وهو معتكف في المسجد في العشر الأواخر من شهر رمضان، فتحدثت عنده ساعة من العشاء، ثم قامت تنقلب، فقام معها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقلبها حتى إذا بلغت باب المسجد، الذي كان عند مسكن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، مر بها رجلان من الأنصار، فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نفذا. 

فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم "على رسلكما، إنها صفيه بنت حيى " فقالا: سبحان الله، يا رسول الله، وكبر عليهما ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم، وإنى خشيت أن يقذف فى قلوبكما شيئا " وقيل عن زيد بن أسلم: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، في وجعه الذي توفى فيه، قالت صفية بنت حيي: والله يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي، فغمزها أزواجه، فأبصرهن، فقال صلى الله عليه وسلم "مضمضن" قلن، من أي شيء؟ قال " من تغامزكن بها، والله إنها لصادقه " فقد كانت شديدة الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحكي لنا السيدة صفية بنت حيي رضي الله عنها، عن قدوم النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم عندهم بالمدينه قائلة. 

لم يكن أحد من ولد أبي وعمي أحب إليهما مني، لم ألقهما في ولد لهما قط أهش إليهما إلا أخذاني دونه، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قباء وهى قرية بني عمرو بن عوف، غدا إليه أبي وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين، فوالله ما جاءانا إلا مع مغيب الشمس، فجاءانا فاترين، كسلانين، ساقطين، يمشيان الهوينى، فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما نظر إلي واحد منهما، فسمعت عمي أبا ياسر يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم، والله، قال: تعرفه بنعته ووصفه؟ قال: نعم والله، قال: فماذا في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت وذكر موسى بن عقبة عن الزهري أن أبا ياسر بن أخطب حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ذهب إليه وسمع منه وحادثه، ثم رجع إلى قومه، فقال: يا قوم، أطيعوني. 

فإن الله قد جاءكم بالذي كنتم تنتظرون، فاتبعوه ولا تخالفوه، فانطلق أخوه حيي بن أخطب وهو يومئذ سيد اليهود، وهما من بني النضير، فجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع منه، ثم رجع إلى قومه، وكان فيهم مطاعا، فقال: أتيت من عند رجل والله لا أزال له عدوا أبدا، فقال له أخوه أبو ياسر: يابن أم، أطعني في هذا الأمر واعصني فيما شئت بعده، لا تهلك، فقال: لا والله لا أطيعك أبدا، واستحوذ عليه الشيطان، واتبعه قومه على رأيه، وقد أدركت السيده صفية رضي الله عنها ذلك الهدف العظيم الذى من أجله تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجدت الدلائل والقرائن عليه في بيت النبوة، فأحست بالفرق العظيم بين الجاهلية اليهودية ونور الإسلام، وذاقت حلاوة الإيمان. 

وقد تأثرت بخلق سيد الأنام صلى الله عليه وسلم، حتى نافس حبه حب أبيها وذويها والناس أجمعين، ولما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد تأثرت رضي الله عنها لمرضه، وتمنت أن لو كانت هي مكانه، وقد كانت السيده صفيه رضي الله عنها امرأة شريفة، عاقلة، ذات حسب أصيل، وجمال ورثته من أسلافها، وكان من شأن هذا الجمال أن يؤجج مشاعر الغيرة في نفوس نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وقد عبّرت السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها عن ذلك بقولها " ما أرى هذه الجارية إلا ستغلبنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي ضوء ذلك، يمكن أن نفهم التنافس الذي حصل بين صفية رضي الله عنها وبين بقيّة أمهات المؤمنين، ومحاولاتهن المتكررة للتفوق عليها. 

ولم يفت ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يسليها ويهدئ ما بها، فتقول السيده صفية رضي الله عنها " دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وقد بلغني عن عائشة وحفصة كلام، فقلت له: بلغني أن عائشة وحفصة تقولان نحن خير من صفية، نحن بنات عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه، فقال صلى الله عليه وسلم " ألا قلت، فكيف تكونان خيرا منى ، وزوجى محمد، وأبى هارون وعمى موسى عليهم جميعا الصلاة والسلام، ومن مواقفها الدالة على حلمها وعقلها، ما ذكرته كتب السير من أن جارية لها أتت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالت: إن صفية تحب السبت، وتصل اليهود، فبعث عمر يسألها، فقالت: أما السبت فلم أحبه منذ أبدلني الله تعالى به الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحما فأنا أصلها. 

ثم قالت للجارية: ما حملك على ما صنعت؟ قالت: الشيطان، قالت: اذهبي فأنت حرة، ولم تكن رضي الله عنها تدخر جهدا في النصح وهداية الناس، ووعظهم وتذكيرهم بالله عز وجل، ومن ذلك أن نفرا اجتمعوا في حجرتها، يذكرون الله تعالى ويتلون القرآن، حتى تليت آية كريمة فيها موضع سجدة، فسجدوا، فنادتهم من وراء حجاب قائلة: هذا السجود وتلاوة القرآن، فأين البكاء ؟ وبعد وفاة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ظلَت السيدة صفية رضي الله عنها متعهِدة له ولسنته، وقد كانت رضي الله عنها، حليمة عاقلة فاضلة، ولقد عاشت رضي الله عنها، بعد رحيل المصطفى صلى الله عليه وسلم، على منهاجه وظلت متمسكة بهديه صلى الله عليه وسلم، حتى لَقيت ربها، وقد كان لها أروع المواقف في وقوفها. 

مع ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان رضى الله عنه، في وجه الفتنة الهوجاء التي لقيها المسلمون في تلك الآونة، فعن كنانة قال: كنت أقود بصفية لتردَّ عن عثمان بن عفان، فلقيها الأشتر، فضرب وجه بغلتها حتى مالت، فقالت "ردُونى لا يفضحني هذا" ثم وضعت خشبا من منزلها ومنزل عثمان بن عفان تنقل عليه الماء والطعام، فما أروعه من موقف لأم المؤمنين صفية رضي الله عنها، فقد عبَّرت به عن عدم رضاها لما حدث مع عثمان بن عفان رضى الله عنه، فقد حاصروا بيته ومنعوا عنه الماء والطعام، فرأت رضي الله عنها، أن تقف معه في محنته، وتكون عونا له في شدته، وهي رضي الله عنها، لم تألُ جهدا في الولاء لعثمان بن عفان رضى الله عنه، الذي اختاره الناس أميرا للمؤمنين. 

وموقفها هذا يُشير إلى صدق إسلامها ورغبتها في رأب الصدع الذي حدث بين المسلمين، وكراهتها لشقِ عصا الطاعة على أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى الله عنه وقد روت السيده صفيه رضى الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنها ابن أخيها، ومولياها: كنانة، ويزيد بن معتب، وعلى بن الحسين بن على، ومسلم بن صفوان، وإسحاق بن عبد الله بن الحارث، ولقد عايشت رضي الله عنها عهد الخلفاء الراشدين، حتى أدركت زمن معاوية بن أبى سفيان رضي الله عنه، ثم كان موعدها مع الرفيق الأعلى سنة خمسين للهجرة، لتختم حياة قضتها في رحاب العبادة، دون أن تنسى معاني الأخوة والمحبة التي انعقدت بينها وبين رفيقاتها على الدرب، موصية بألف دينار للسيده عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما، وقد دفنت بالبقيع، فرضي الله عنها وعن سائر أمهات المؤمنين.

 وتوفيت أم المؤمنين السيدة صفية رضي الله عنها، فى زمن خلافة معاوية بن أبي سفيان، في شهر رمضان، من سنة خمسين للهجرة النبوية، وصلى عليها مروان بن الحكم، ودُفنت في البقيع.

google-playkhamsatmostaqltradent
close