recent
أخبار ساخنة

نفحات إيمانية ومع البلد الأمين


 

بقلم / محمـــد الدكـــرورى

إن نعمة الأمن هى من أعظم النعم التى منّ بها الله عز وجل، على عباده، فهى أعظم من نعمة الرزق، ولذلك قدمت عليها في القرآن الكريم فبدأ الله تعالى، بالأمن قبل الرزق وذلك لأن استتباب الأمن سبب للرزق، فإذا شاع الأمن واستتب ضرب الناس في الأرض، وهذا مما يدر عليهم رزق الله تعالى، ويفتح أبوابه، ولا يكون ذلك إذا فُقد الأمن، ولأنه لا يطيب طعام ولا يُنتفع بنعمة رزق إذا فقد الأمن، فمَن من الناس أحاط به الخوف من كل مكان، وتبدد الأمن من حياته ثم وجد لذة بمشرب أو مطعم؟ ولقد سئل بعض الحكماء فقيل له ما النعيم ؟ قال هو الغنى، فإنى رأيت الفقر لا عيش له، فقيل له زدنا، فقال الأمن، فإنى رأيت الخائف لا عيش له، فقيل له زدنا، قال: العافية فإنى رأيت المريض لا عيش له، فقيل له زدنا. 

فقال الشباب،  فإنى رأيت الهرم لا عيش له، وإن لأهمية الأمن ومكانته في الإسلام، فقد أعلاه العلماء منزلة أعظم من نعمة الصحة، فقد سئل بعض العلماء، الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال الأمن أفضل، والدليل على ذلك أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ثم إنها تقبل على الرعي والأكل، ولو أنها ربطت في موضع وربط بالقرب منها ذئب فإنها تمسك عن الطعام ولا تتناوله إلى أن تموت، وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف أشد من الضرر الحاصل من ألم الجسد، فإن الأمن والاستقرار إذا عََّم البلاد، وألقى بظله على الناس، أمن الناس على دينهم وأنفسهم وعقولهم وأموالهم وأعراضهم ومحارمهم، ولو كتب الله عز وجل، الأمن على أهل بلد من البلاد، سار الناس ليلا ونهارا لا يخشون إلا الله عز وجل. 

وفي رحاب الأمن وظله تعم الطمأنينة للنفوس، ويسودها الهدوء، وتعمها السعادة، وإن النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، قد جمع ذلك في قوله " من أصبح منكم آمنا فى سربه، معافى فى جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا " وهذا الحديث رواه الترمذى وابن ماجه، وإن مكانة الأمن كبيرة، فالأمن تحقن فيه الدماء، وتصان الأموال والأعراض، وتنام فيه العيون، وتطمئن المضاجع، ويتنعم به الكبير والصغير والإنسان والحيوان، فالأمن من نعم الله العظمى وآلائه الكبرى، ولا تصلح الحياة إلا به، ولا يطيب العيش إلا باستتبابه، فإن الأمن لو سُلب من بلد ما، فتصور كيف يكون حال أهله؟  وما أجمل أن يكون الكلام عن الوطن، وأجمل منه أن يكون الكلام عن وطن يحبه الله ورسوله. 

فالحديث ذو شجون، لأننا نتحدث عن أعظم وطن، وأعرق حضارة، فإن الحديث عن أم الدنيا، وعن أرض الكنانة، وعن بلد لم ولن تعرف الدنيا مثلها، إنها مصر الغالية، فمصر هي العنوان، ومصر هى أحلى الأوطان، ففي مصر تعانقت القلوب، وتصافح المُحب والمحبوب، والتقى يوسف بيعقوب، ولقد وجد الإسلام فى مصر أعياده، وفى مصر كنتم يوم الفتوح أجناده، وكنتم مدده عام الرمادة، وأحرقتم العدوان الثلاثي وأسياده، وحطمتم خط بارليف وعتاده، وكنتم يوم العبور آساده وقواده، فإن مصرهي أم البلاد، وهي موطن المجاهدين والعُباد، فمصر قهرت قاهرتها الأمم، ووصلت بركاتها إلى العرب والعجم، وإن مصر هى كوكبة العصر، وكتيبة النصر، وإيوان القصر، وإن مصر هى أم الحضارة، ورائدة المهارة. 

ومنطلق الجدارة، وإن مصر هى أرض العز، وهى بلاد العلم والقطن والنماء، وإن مصر هي مصر التى تكلم عنها القدامى، ولكننا نحتاج إلى شعب كالقدامي، نحتاج إلى شعب يتقى الله في نفسه وعمله ووطنه وأهله وماله، نحتاج إلى رجال كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، فالمشكلة مشكلة أفراد وأشخاص وليست مشكلة أرض مدحا أو قدحا، فإن مصر بلد عظيم القدر، وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما عاد أحد المسلمين وهو مريض وقرأ عليه فاتحة الكتاب واضعا يده على الجزء المريض في جسده، فبرئ الرجل بفضل الله تعالى، فلما استشهد عمر بن الخطاب، ومرض الرجل مرة أخرى طلب ممن يعوده أن يقرأ عليه بفاتحة الكتاب كما صنع عمر، فلما قرأ عليه الراقي الفاتحة واضعا يده. 

على الجزء المريض في جسده، ثم قال له كيف أنت؟  فرد عليه قائلا له كما أنا، فقال الراقي، والله إن الفاتحة هي الفاتحة ولكن أين يد عمر؟ وكذلك وأنا أقول لكم، إن مصر هي مصر ولكن أين عمر؟ وإن لعظم قدر مصر منذ القديم افتخر الهالك فرعون بأنه يملكها دون غيرها، فقال كما حكى الله  عز جل عنه ( أليس لى ملك مصر ) فقال عمرو بن العاص رضي الله عنه، إن ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة، وهذا يعني أن ولاية كل بلاد الإسلام في كفة، وولاية مصر في كفة، وقد قال سعيد بن هلال، إن مصر أم البلاد، وغوث العباد، وإن مصر مصورة في كتب الأوائل، وقد مدّت إليها سائر المدن يدها تستطعمها، وذلك لأن خيراتها كانت تفيض على تلك البلدان، وإن مصر هي البلد الوحيد. 

الذي أوصى الله أنبيائه ورسله عليهم السلام، أن يذهبوا إليها، فقد أمر الله تعالى، نبيه موسى وأخاه هارون، أن يتخذوا بيوتا لهم، ولقومهم بمصر، وإن ذكر مصر في القرآن الكريم والسنة النبويه الشريفه، هو أكبر دليل على أهمية هذه البلد ومكانتها عند الله تعالى، وعند رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا كان الله تعالى ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، قدما لنا الوصية بمصر وأهلها خيرا، فعلينا أن نمتثل أمر الله  تعالى، وأمر رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن الله تعالى، إذا ذكر شيئا وعظمه فإن تعظيمه وتشريفه وتكريمه من تعظيم وتكريم الله تعالى، وقد قال قتادة، إن الله اصطفى صفايا من خلقه، فقد اصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس رسلا  واصطفى من الكلام ذكره.

واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظموا ما عظم الله تعالى، فإنما تعظم الأمور بما عظمها الله عز وجل، به عند أهل الفهم وأهل العقل، فقد قال ابن كثير في تفسيره قول بعض الأئمة، عن المحال ثلاثة،  التى بعث الله تعالى في كل واحد منها نبيا مرسلا من أولي العزم وأصحاب الشرائع الكبرى،  حيث قال الله تعالى فى كتابه الكريم ( والتين والزيتون، وطور سنين، وهذا البلد الأمين ) فالمحل الأول وكان محلة التين والزيتون، وهي بيت المقدس التي بعث الله تعالى، فيها نبيه عيسى بن مريم،  والمحل الثاني، وهو طور سينين، وهو طور سيناء فى مصر الذي كلم الله تعالى عليه نبيه موسى.

والمحل الثالث، وهو البلد الأمين، وهو مكة المكرمه، الذي من دخله كان آمنا، وهو الذي أرسل فيه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء والرسل الكرام، فالله جمع بين الأماكن الثلاث في قسم واحد، وإذا أقسم الله بشئ فلا يقسم إلا بعظيم، وهذا يدل على منزلة الثلاثة التي أقسم بها، ومنها جبل الطور بمصر، وقد قال الجاحظ، إن أهل مصر يستغنون بما فيها من خيرات عن كل بلد، حتى لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا بسور ما ضرها، وإن في مصر رباط الإسكندرية الذي رابط فيه العلماء والزهاد والعباد والمجاهدون والأبطال والشجعان، فقال أبو الزناد صاحب أبي هريرة رضي الله تعالى عنه "خير سواحلكم رباطا الإسكندرية" وعند المصريين هو جامع عمرو بن العاص صاحب رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم. 

وهو أول جامع بني في قارة إفريقيا، وقد ضبط قبلته جماعة من الصحابة قدروا بثمانين صحابي اجتمعوا عنده وقت بنائه وقدروا القبلة فوجهوه إليها، وعند المصريين جامع الأزهر الذي له الفضل المشهور، والعلم المنثور، والتقدم الكاسر، والارتفاع القاهر، فالعلماء فيه متكاثرون، والعُباد فيه قائمون، والزوار إليه متوافدون، وإن مصر قادت الأمة الإسلامية أكثر من مائتين وخمس وستين سنة، وقد ظلت الخلافة في مصر منذ انقطاع الخلافة من إلى انتقال الخلافة إلى العثمانيين بتركيا، وأما أهل مصر فيكفيهم شرفا وفخرا أن الله عز وجل، اختار منهم الأنبياء، وجعل الله تعالى، الأنبياء يسكنون بين ظهرانيهم، فهذا الخليل إبراهيم شيخ الموحدين وأفضل المرسلين وجدّ خاتم النبيين. 

وقد أتى مصر مع زوجته السيده سارة، وتزوّج هاجر المصرية، وأما من كان بها من الأنبياء عليهم السلام، فإبراهيم الخليل، وإسماعيل ويعقوب، ويوسف، واثنا عشر نبيا من ولد يعقوب وهم الأسباط وموسى وهارون ويوشع بن نون، وعيسى بن مريم، ودانيال، عليهم جميعا الصلاة والسلام، وأما من كان بها من الصحابة الكرام، فقد ذكر أهل العلم والمعرفة والرواية أنه دخل مصر في فتحها ممن صحب رسول الله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، أكثر مائة رجل، وقال يزيد بن أبي حبيب، أنه وقف على إقامة قبلة المسجد الجامع ثمانون رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان منهم الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وفضالة بن عبيد، وعقبة بن عامر وأبو ذر. 

وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن، وعمار بن ياسر، وعمرو بن العاص، وأبو هريرة وغيرهم من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، ويجب علينا أن نعلم أنه إذا ذكرنا المصريين ذكرنا الكعبة والبيت الحرام، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أرسل إلى عامله في مصر أن يصنع كسوة للكعبة المشرفة، فصُنعت الكسوة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وظلت كسوة الكعبة تصنع هناك، ولم يتوقف ذلك إلا قبل قرابة المائة سنة، وإذا ذكرنا المصريين ذكرنا الحجاج والمعتمرين، فإن البعثة الطبية المصرية كانت في الحج لسنوات طويلة هي أبرز ما ينفع الحجاج في علاجهم، يأتون من أقطار الدنيا لأجل أن يلتقوا بهذه البعثة المصرية. 

وإذا ذكرنا المصريين ذكرنا الدفاع عن فلسطين، وذكرنا الجهاد والمجاهدين، فصلاح الدين أقام بمصر، وكثير من قواده منها، وأبرز المعارك مع اليهود قادها مصريون، إذا ذكرنا المصريين ذكرت أمَّنا هاجر زوجة الخليل ابراهيم عليه السلام، وهي أم إسماعيل جدّ رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وهي مصرية من القبط، ومارية القبطية زوجة رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وأم ولده إبراهيم مصرية أيضا، فإذا ذكرنا المصريين ذكرنا أخوال رسولنا، وأصهار نبينا، فهي بلاد كريمة التربة، ومؤنسة لذوي الغربة، فكم لمصر وأهلها من فضائل ومزايا، وكم لها من تاريخ في الإسلام وخفايا، فمنذ أن وطئتها أقدام الأنبياء الطاهرين، ومشت عليها أقدام المرسلين المكرمين، والصحابة المجاهدين. 

وقد ذكر الله تعالى مصر في القرآن الكريم، وبيّن الله تعالى، اسمها صريحة في أربعة مواضع في كتابه تشريفا لها وتكريما، وليس هذا فقط، بل أشار الله تعالى، إلى مصر ولم يصرّح باسمها في ثلاثين موضعا من القرآن الكريم، وإن مصر هي الأرض الطيبة التي قال الله تعالى، عنها لما طهرها الله من فرعون وقومه، إن مصر فيها خزائن الأرض، وقد  وصّى النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، الأمة كلها بمصر وبأهلها، فقال " إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا، فإن لهم ذمة ورحما " وفي لفظ آخر" فإن لهم ذمة وصهرا" رواه مسلم، وفى النهايه أقول نعم إنها مصر، فإذا أردت القرآن وتجويده فالتفت إلى مصر، وإذا أردت اللغة والفصاحة فإنك ستنتهي إلى مصر، وإذا أردت الأخلاق الحسنة وحلاوة اللسان وحلاوة التلاوة والقرآن فالتفت لزاما إلى مصر.

google-playkhamsatmostaqltradent
close