recent
أخبار ساخنة

نفحات إيمانية ومع الجعد بن درهم (الجزء الثانى) / وطنى نيوز


 


إعداد / محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء الثانى ومع الجعد بن درهم الذى ضحى به خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بمدينة واسط بالعراق، وقال أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم، لإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما وتعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه، وقد وقفنا عندما قلنا إن القرآن كلام الله ووحيه، وهو مخلوق محدث، وقد أنزله الله على نبيه ليكون علما ودالا على نبوته، وجعله دلالة لنا على الأحكام لنرجع إليه في الحلال والحرام، واستوجب منا بذلك الحمد والشكر، والتحميد والتقديس، والقرآن يتقدم بعضه على بعض، وما هذا سبيله لا يجوز أن يكون قديما، إذ القديم هو ما لا يتقدمه غيره، وآخر، ونصف وربع، وسدس وسبع، وما يكون بهذا الوصف، كيف يجوز أن يكون قديما؟ ولم يكتف المعتزلة يتجاوز المألوف في الجدل اللاهوتي بقولهم بخلق القرآن.
بل تجاوزوا ذلك إلى نفي صفة الإعجاز عنه، وهو ما نظر إليه بوصفه مس بمقدسات أجمع عليها المسلمون، وكانت مصدر فخرهم وتميزهم بأن كتابهم العظيم يستحيل الإتيان به من حيث النظم والبلاغة والفصاحة، في هذا المجال، كما في خلق القرآن، كان المعتزلة منطقيّين مع أنفسهم وأمناء لمنهجهم العقلاني في النظر إلى الأمور وعلى الأخص منها النص الديني، برفض كل ما لا يقبله العقل مهما أهدلت عليه صفات القدسية، وقد شكلت قضية خلق القرآن عند المعتزلة جوهر نظريتهم في اللاهوت الإسلامي وفي الجدال الذي انخرطوا فيه أو فرض عليهم، لم يختلفوا عن خصومهم في اعتماد تكفير من خالفهم الرأي في هذا المجال، وستتخذ هذه المسألة حجما كبيرا عندما ستفرض عقيدة على الدولة الإسلامية في عهد الخليفة المأمون، لكن المعتزلة ستؤسس في قضية خلق القرآن لوجهة ثورية.
وإذا أردنا استخدام مصطلحات حديثة، في قراءة النص الديني الإسلامي، وهى تشكل اليوم محورا مركزيا في الصراع السياسي على الإسلام وعلى كيفية توظيفه بما يخدم التقدم والتطور أو بما يكرس التطرف والإرهاب، وتسود اليوم وجهتا نظر مركزيتين في قراءة النص الديني، واحدة ترى فيه نص صالح لكل زمان ومكان ولا يجوز الاجتهاد فيه، وأخرى ترى فيه نص تاريخي له زمان وهو تاريخ الدعوة الإسلامية، وكما له مكان وهو الجزيرة العربية، وإن قراءته يجب أن تعتمد زمان نزول آياته ومكانه وسبب هذا النزول والحاجة التي أتت لتلبيتها، وهي قراءة ترفض التسليم بالمعنى الحرفي الظاهري للآيات، وإن الخلافات ليست شكلية بمقدار ما يترتب عليها من ممارسات خطيرة، ويعتقد أهل السنة والجماعة أن القرآن الكريم كلام الله غير المخلوق، فقد روي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال، والقرآن كلام الله.
وليس بمخلوق، فمن زعم أن القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم أن القرآن كلام الله عز وجل ووقف ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق، فهو أخبث من الأول، ومن زعم أن ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام الله فهو جهمي، ومن لم يكفر هؤلاء القوم كلهم فهو مثلهم، وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي شارح الطحاوية، أن أهل السنة كلهم من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف والخلف متفقون على أن كلام الله غير مخلوق، ولكن بعد ذلك تنازع المتأخرون في أن كلام الله هل هو معنى واحد قائم بالذات أو أنه حروف وأصوات تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلما أو أنه لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء وأن نوع الكلام قديم، وكان عندما وصلت أخبار الفتنة إلى الإباضية في عُمان والمغرب حينئذ، وهم أيضا اختلفوا فيها ولهم فيها رأيان معتمدان في المذهب، والاختلاف ناتج عن معنى كلمة القرآن،
هل هو علم الله وكلامه الذاتي أم هو المصحف؟ فمنهم من قال بأن القرآن مخلوق، ومنهم من قال بأنه غير مخلوق ولكن لم يكفر أحد منهم الآخر كما حصل في العراق، فعلماء الإباضية في المغرب وقتئذ اتفقوا على أن القرآن مخلوق، أما في عُمان فقد اختلف العلماء في خلق القرآن ذلك الوقت في بداية الأمر وخصوصا بين الإمامين محمد بن محبوب بن الرحيل وبين محمد بن هاشم ومع أن الرأي الغالب بين أئمة الأباضية عامة كان إستنكار أو نفي المسألة، وقد استمر النقاش فيها فترة من الزمن، وعندما خافوا الفتنة والانشقاق، اجتمعوا في مدينة دما وهى السيب حاليا، واتفقوا على الاكتفاء بما كان عليه السلف، وهو الكف عن التصريح بخلق القرآن الكريم أو عدمه، وأما عن الجعد بن درهم، فإنه كان ينفي أن يكون الله كلم موسى تكليما، وأن يكون قد اتخذ إبراهيم خليلا، فطلبه بنو أمية، فهرب إلى الكوفة.
وقد أخذ الجعد ينشر تعاليمه بالكوفة، فتعلم منه الجهم بن صفوان الترمذي الذي تنسب إليه الجهمية، والجهمية هي فرقة كلامية تنتسب إلى الإسلام، وقد ظهرت في الربع الأول من القرن الهجري الثاني، على يد مؤسسها الجهم بن صفوان الترمذي وهو من الجبرية الخالصة، وقد ظهرت دعوته بترمذ، وقد قتله سلم بن أحوز المازني بمرو في آخر ملك بني أمية، وقد وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلي، وأما عن هو الجهم بن صفوان الترمذي، فهو أبو محرز، وهومن موالي بني راسب ويعود أصله إلى مدينة في ترمذ والتي تقع حاليا في أوزباكستان على الحدود الأفغانية وهى إحدى قبائل الأذر، وقد ولد ونشأ في مدينة الكوفة بالعراق وكان حاد الذكاء قوي الحجة ذا دأب وفطنة وفكر وجدال ومراء، وقد صحب الجعد بن درهم بعد قدومه إلى الكوفة وتأثر بتعاليمه، وبعد مقتل الجعد عام مائه وخمسه من الهجره.
وحمل لواء المعطلة من بعده إلى أن نفي إلى ترمذ في خراسان، وقد كان الجهم بارعا في علم الكلام فأخذ بنشر مذهبه في ترمذ إلى أن ظهر فيها وصار له أتباع، ووصل مذهبه إلى بلخ وهى إحدى أكبر مدن خراسان آنذاك، وانتشر فيها، وهناك كان يكثر من المناظرات والجدال، فكان يناظر قوما يقال لهم السمنية من فلاسفة الهند، وكان يذهب إلى مسجد مقاتل بن سليمان وهو المفسر الشهير، ليناظره، حيث كان مقاتل، بعكس الجهم بن صفوان تماما، وهو يميل إلى التشبيه، وفي ترمذ تعرف الجهم على الحارث بن سريج التميمي وهوعظيم الأزد بخراسان وصار كاتبا له، وكان جهم بن صفوان مشتغلا بعلم الكلام، وقال أن كلام الله إنما هو صفة فعل كسائر الأفعال التي تحدث في العالم وهي أيضا من خلقه، وترتب على ذلك القول بخلق القرآن، كما كان ينفي رؤية الله في الآخرة ويحتج بقوله تعالى (لا تدركه الأبصار)
وكل هذه المعتقدات ورثتها عنه وزادت عليها فرقة المعتزلة التي ظهرت مع منتصف القرن الثاني الهجري، ولكن الجهم يختلف عن المعتزلة في بضعة مسائل، وهى أنه قد ذهب إلى أن الإنسان لا يوصف بالاستطاعة، أي أنه مجبر في هذه الحياة وإنما الثواب والعقاب بأفعال العباد الباطنية، وقال بأن الجنة والنار تفنيان وقال إن حركات أهل الخالدين تنقطع والجنة والنار تفنيان بعد دخول أهلهما فيها وتلذذ أهل الجنة بنعيمها وتألم أهل النار بعذابها، وحمل الآية (خالدين فيها أبداً) على المبالغة والتأكيد دون الحقيقة في التخليد، وقال بأن الإيمان عقد بالقلب دون التلفظ باللسان، وأما عن الجعد بن درهم فكان في عام مائه وخمسه من الهجره، استلم الحكم في دمشق الخليفه هشام بن عبد الملك الذي عين خالد بن عبد الله القسري واليا على الكوفة، فقبض على ابن درهم، وفي أول يوم من أيام عيد الأضحى من ذلك العام.
قال خالد وهو يخطب خطبة العيد، أيها الناس ضحُّوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحى بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، ثم نزل فذبحه في أصل المنبر، وأما عن خالد بن عبد الله القسري البجلي، فهو قائد أموي وقد سكن دمشق ايام الأمويين من بطن شق الكاهن، من بنو قسر وهم بنو مالك من قبيلة بجيلة، ويكنى أبا القاسم وقيل أبا الهيثم، وقد تباينت أقوال المراجع بشأن سيرته، فمنهم من ذمه وشتمه، ومنهم من مدحه وبجله، والأكثرون على ذمه لبغي فيه، حتى أنه هلك بسبب ذلك، إذ قتله الخليفة الأموي، وكان خالد هو الذي قبض على الجعد بن درهم وهو فارسي من خراسان من موالي بني أمية، وقتله بعد صلاة عيد الأضحى، وعندما بلغ الخبر الحسن البصري وأمثاله من التابعين شكروا ما فعله خالد البجلي بالجعد بن درهم.
google-playkhamsatmostaqltradent
close