recent
أخبار ساخنة

المركز الثقافي العربي في الميدان يواصل استضافة أبرز القاصين / وطنى نيوز



محمد نذير جبر - تصوير محي الدين كاظم
 
أقام المركز الثقافي العربي بالميدان أمسية قصصية وسط حضور ٍ لكوكبة من النخب السورية في مجالات القصة والشعر والنقد والأبحاث ، وبمشاركة الأساتذة (القاص رسلان عودة - القاص الدكتور محمد عامر مارديني وزير التعليم العالي الأسبق - الأديب والصحفي سامر منصور)
البداية كانت مع القاص رسلان عودة حيث قرأ قصة بعنوان (القبلة الأولى) تناول فيها حالة حب بين فقيرين داهمتهما الحرب ففرقت جمعهما بتهجيرهما مع أسرهما من مخيم اليرموك .. حيث سافرت المحبوبة وعمل الشاب ممرضاً في مستشفى ومالبثت الأيام أن جمعت بينهما حيث وجد محبوبته وقد لحق بها أذى جسدي وآخر نفسي عندما حاول أهلها ارغامها على الزواج بغيره ففرت منهم .. وما ان تعافت الفتاة وعادت تبحث عنه حتى سقط هو في مرض الموت . جاءت القصة زاخرة بالأحداث خاصة في النصف الأخير منها و تميل إلى الأدب الرومنسي وعابقة بالعبارات الشعرية التي رصعت السرد وأضفت على جو القصة العام الرهافة والألق. وعرضت القصة حال المستشفيات السيئة ، وقوة الإرادة وكثرة الاجتهاد لدى الشبان الذين لايوقفهم مرض أو حرب أو أية ظروف عن العمل والحب وكأنهم طاقة تتوهج حد الاحتراق وجدانياً وفي دورها الاجتماعي.. حيث كان بطل القصة مريضاً بالسُكري ومع ذلك كان حاضراً بدوره الاجتماعي معطاءً رغم كل الأسى والظروف التي ألمت به.
ومن خاتمة القصة نقتطف:
"جاءت بعد حين إلى المشفى سليمةً معافاة سألت عني فأرسلوها إلى الطبيب أكثم احتفى بها الرجل فهو يعلم من هي وبعضاً من حكايتنا أخبرها بأن القبلة الأولى مني كانت قبلة الحياة الأخيرة لي نهض الأكثم المرهق من خلف طاولتهِ وضع يده على كتفها قائلًا بخشوع: لفظ حروف اسمك الثلاثة من بين أنفاسهِ المتقطعة وسألني قبل زفيرهِ الأخير: هل نجح الحب وسقطت الحرب؟."
وبدوره قرأ الدكتور محمد عامر مارديني رئيس جامعة الأندلس الطبية قصتين من الأدب الساخر أولهما بعنوان " مقادم الجنرال ديغول " تناول فيها ثقافة القطيع والنقل والتداول دون تمحيص وتفنيد فيما يتم نقله وتداوله ، وكيف لعبت وسائل التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي تحديداً دوراً سلبياً لدى العامة غير المحصنين بالوعي والثقافة فكانت تلك التكنولوجيا أداة تضليل وترويج للمعلومات الخاطئة والشائعات عوضاً عن كونها أداة بحثٍ واكتسابٍ للمعارف.. واستطاعت فئة التجار توظيف تلك الشائعات لتحقيق منافع مادية.. وسعدت بها وتبنتها حد المبالغة الطريفة وتزييف أحداث تاريخية.
ومما جاء في القصة نقتطف:
"عدت إلى البيت أحلل في ذهني ما أثمرت عنه تجربتي بكشف للأخطاء والملابسات الفادحة في تسويق التاريخ وترويج الأكاذيب التي اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي فأصابت الحقيقة وحقائق العقل والمنطق في مقتل وقررت إنزال ستارة الختام على هذه المهزلة وإنهاءها بعد تيقني أن ثقافة القطيع باتت راسخةً في أذهاننا على مبدأ " دع التفكير لنا واستمتع بالتبعية" وناديت ديكارت بصوت عالٍ قائلًا له تبًا لمقولتك "أنا أفكر إذًا أنا موجود" فقد أثبتت أنها مقولةٌ عفى عنها الزمن وأكل عليها الدهر وها أنا اكتشف نقيضها تماماً "أنا لا أفكر إذاً أنا موجود"...
وفي قصته بعنوان " أبو لهب " تطرق الدكتور محمد عامر مارديني إلى ازدواجية التعامل من قبل طالبة مع الدين حيث تستعين بالدعاء وقراءة القرآن كي لا يُكشف غشها في الامتحان بعد أن داهمها المراقب وتتعامل معه وكأنه شخص مؤذي وليس مؤتمناً يقوم بواجبه .. عوضاً عن قيامها بتفادي الغش المُحرّم في معظم الأديان.
واتبع القاص الدكتور مارديني أسلوب المفارقة فجاءت قصته مدهشة مكثفة وأثارت تفاعل السادة الحضور بالضحك.
وبدوره قدم الأديب والصحفي سامر منصور قصة ذات منحى فنتازي من منشورات " مجلة الخيال العلمي " مستثمراً عنصر الغموض حول زائر غامض مُطارد يدعي أنه الشيطان يلجأ إلى كوخٍ قصي في منطقة غير مأهولة هارباً .. وتدور بينه وبين صاحب الكوخ ، وهو رجل مثقف ، أحاديث عميقة ذات طابع فلسفي.
ومما جاء فيها: " كانت عاصفة قادرة حتى قبل كامل حضورها أن تطفئ خضرة أشجار الغابة بأصابعها .. والعجيب كيف علم هذا الزائر بوجود كوخٍ هنا ؟! ".
وقد اتسمت القصة بأنها تشف عن موهب فريدة تمتع بها الأديب منصور في تصوير الشخصيات والعاصفة الثلجية التي تضرب المكان وفي استثماره المُوفّق لعنصر الغموض حيث ترك النهاية مفتوحة للقارئ كي يقرر فيما إذا كان ذلك الزائر هو الشيطان فعلاً أم عالمٌ هاربٌ من سلطات الجيش الأمريكي.. يعاني من اضطرابات نفسية جراء تورطه في صناعة أسلحة سرية فاتكة قد تتسبب بإبادات جماعية حد أنه تصور لهول ما صنعت يداه أنه الشيطان وأنه يتماهى مع جميع العلماء الذين قدموا للدول الاستعمارية المتناحرة قوة ضاربة هائلة كالأسلحة النووية والفيروسية .. إلخ. وقد جاءت القصة زاخرة بالمعلومات والتحليلات السوسيولوجية والسيكولوجية لتبيان كيف وصلت البشرية إلى ماوصلت إليه من عبث ووحشية .. وقد أسس الأديب سامر منصور خطاب الزائر " الشيطان الهارب من شرور المؤسسات العسكرية ومتطلباتها القذرة " على ركائز فكرية تتضمنها مقولات لكبار المفكرين والأدباء حيث كان الشيطان يذكر كيف جعل المتنورين ألاعيبه مكشوفة ولكن دون جدوى فالعامة مشغولة بالتهافت نحو الاقتناء والملذات كما في قوله: " الجنس البشري يحبو على جسده ولايتقدم إلا من أعضائه الحساسة ولايمارس إلا ذكورة ً استعراضية صَخِبة .. "
ومما جاء على لسان شخصية الشيطان أيضاً نقتطف: " الموت لابن البشر ليس فناء الجسد.. فالموت الفناء ، هو مفهوم عام وشامل للموت ينطبق على جميع أشكال الحياة . إني أرى أن جوهر الموت جمودٌ وثبات ، وجوهر الحياة حركة وتطور.. إلا أن الجماد لايفنى بالجمود والثبات ، بينما الحي ينكص فيفنى بذلك. أنا أقتلكم بأن أقتل مستقبلكم وأجعل غدكم كأمسكم ، أنا فقط ألغي الزمان من معادلة وجودكم ، ولا أقصد بالزمان حركة الأجرام السماوية ، بل أقصد الحركة فيكم ، في عقولكم ووعيكم.. ذلك هو زمانكم أن تتجاوزوا ذاتكم إلى ذواتٍ أسمى وأعلى.. فأنتم ذروة الوجود والذروة لاترتفع مالم تتجاوز نفسها.. "
وفي الختام فتح باب الحوار وإبداء الآراء حول ما قُدم فأشاد السادة الحضور بما تم تقديمه وبتنوع المشاركات التي اشتملت الأدب الساخر والأدب الوجداني الواقعي البانورامي والأدب الفكري.. حسب تعبيرهم.
ثم مالبثت أن أثارت قصة الأديب سامر منصور نقاشاتٍ عدة .. حيث رأت الشاعرة نجوى هدبة فيها ما هو أقرب إلى السيناريو ورأى الباحث والكاتب والمترجم حاتم العبد أن غزارة المعلومات التي تضمنتها أثر على المسار الدرامي وجعله يضعف.
بينما رأى القاص والروائي والصحفي سهيل الذيب أنها رواية مصغرة أكثر منها قصة وأثارت القاصة إيمان ليلى مسألة ضرورة عنونة القصص وعابت افتقد القصة إلى عنوان وطالبت الأديب سامر بتلوين صوته بما يشعر المستمع بأن من يتحدث الآن هو شيطان وبالتمييز بين أصوات الشخصيات أثناء قراءته.
وجاءت مداخلات السادة الحضور بخصوص مشاركات القاصين الأستاذ رسلان عودة والدكتور محمد عامر مارديني كإشادات مُحقّة ولفت إلى العناصر الجمالية الموفقة التي منحت تلك القصص ألقها وجاذبيتها.

 

google-playkhamsatmostaqltradent
close