recent
أخبار ساخنة

نفحات إيمانية ومع غزوة ذى أمر " الجزء الثانى " / وطنى نيوز

 


إعداد / محمـــد الدكـــرورى
 
ونكمل الجزء الثانى مع غزوة ذى أمر وقد توقفنا عندما علم النبى صلى الله عليه وسلم عن تحالف قد تشكَل بين قبيلة بني محارب وهي واحدة من أشهر القبائل العربية، وقبيلة بني ثعلبة واحدة من القبائل اليهودية التي كانت تقطن المدينة المنورة وتيماء وفدك، فحشدتا جمعا كبيرا من مقاتليهما للإغارة على أطراف المدينة المنورة، ويقول المباركفوري في كتاب الرحيق المختوم، والمباركفورى، هو صفي الرحمن بن عبد الله بن محمد أكبر بن محمد علي بن عبد المؤمن بن فقيرالله المباركفوري الأعظمي، وهو أحد علماء الحديث في الهند، وقد تميز بعلمه الغزير وتواضعه الجم، وقد شارك في ندوات ومحاضرات في مختلف أرجاء الهند وفي الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وكثير من الدول الأخرى، وقد عمل بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لمدة عشر سنوات وقد عمل على تآليف العديد من الكتب القيمة باللغتين العربية والآردية.
وأشهرها الرحيق المختوم، وكتاب الرحيق المختوم هو أحد الكتب المتخصصة في سيرة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ويقول الشيخ المباركفوري عن كتابه " وقد قدر الله لهذا الكتاب من القبول ما لم أكن أرجوه وقت الكتابة، فقد نال المركز الأول في المسابقة التى أقيمت عن السيرة النبوية المشرفة، وأقبل عليه الخاصة والعامة إقبالا يغتبط عليه" وقد قال عن غزوة ذى أمر أنها هي أكبر حملة عسكرية قادها رسول الله قبل معركة أحد، وبنو ثعلبة إحدى القبائل اليهودية التي كانت تسكن المدينة المنورة، و فدك، وتيماء، وتسمى كذلك ببني ثعلبة بن الفطيون، تمييزا لها عن القبائل الأخرى المشابهة لها في الاسم، وكلمة فطيون هي كلمة عبرانية تطلق على من يلي أمر اليهود وملكهم، وذلك لأن قبيلة بني ثعلبة كان منها ملك يثرب وسائر يهود الحجاز في زمن الجاهلية، وقد قال ياقوت الحموي، وكان ملك بني إسرائيل يقال له الفيطوان.
وفي كتاب ابن الكلبي الفطيون، وكانت اليهود والأوس والخزرج يدينون له، وبنو ثعلبة هم من حلفاء قبيلة الأوس، وقد شاركت في حروب الأوس والخزرج إلى جانب حليفتها الأوس ومنها وقعة يوم بعاث، وذهب بعض المؤرخون أمثال ابن الأثير إلى أن أصلهم من بني إسرائيل، وذهب البعض الأخر إلى انهم من العرب، ونقل عن ابن إسحاق بأنهم بطن من بطون بني قريظة، وعلى هذا فهم من الكاهنين من نسل نبى الله هارون عليه السلام، ولا يستبعد أن تكون بني ثعلبة من بني إسرائيل ومن سلالة نبى الله داود وذلك بسبب أن مُلك يهود الحجاز كان فيهم، وفي الشريعة اليهودية لا يجوز المُلك إلا في ذرية النبي داود عليه السلام، وكما جاء النص على ذلك في سفر صموئيل الثاني الذى يقول " ستبقى عائلتك عائلة الملوك " وإن لم يرد نص صريح في نسب بنو ثعلبه إلى أي سبط ينتمون من أسباط بني إسرائيل إلا أنه جاء في بعض المصادر
بأن السموأل بن عادياء من سبط يهوذا، وكما نسب آل السموأل إلى بني ثعلبة في إحدى الأقوال، فضلا عن تصريح السموأل بنسبه إلى بني الديان في شعره، والديان هو مرادف الفيطوان، إذ أن الديان في اللغة العربية بمعنى القاضي أو الحاكم، والفيطون في اللغة العبرية هو بمعنى القاضي والحاكم، وعلى هذا يكون بنو ثعلبة من سبط يهوذا، وكان أهداف الغزوة هو أن يشعر الأعراب بقوة المسلمين، ويستولي عليهم الرعب والرهبة، والأعراب هم العرب الذين يسكنون البوادي والبراري، الذين يتتبعون مساقط الغيث ومنابت الكلا، بخلاف أهل الحضر في القرى والأمصار، والفرق بين البدوي والأعرابي، أن البدوي هو المقيم في البادية ويسكن الخيام ولا يستقر في موضع معين، سواء كان من العرب أم من غيرهم، أم الأعرابي فهو البدوي العربي، وكانت تلك سياسته صلى الله عليه وسلم، في معظم غزواته ألا وهي منع الأعداء.
من الوصول إلى المدينة ومساكن أهلها ومن جهة أخرى لبث الذعر والخوف من المسلمين في قلوب أعدائهم من المشركين واليهود إذ لديهم القدرة على المبادرة بالهجوم دون الاكتفاء بالدفاع، وهكذا عقد النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، العزم على الخروج إليهم ومهاجمتهم في عقر ديارهم قبل أن يهاجموا المدينة المنورة وكانت نتائج غزوة ذي أمر أن انتهت غزوة ذي أمر بين المسلمين وأعدائهم من بني ثعلبة وبني محارب دون قتال إذ فروا من أمام المسلمين خشيةً من لقائهم في أرض المعركة، وبذلك تحققت الغاية الرئيسية من خروج الرسول صلى الله عليه وسلم، بجيشه للقائهم في مساكنهم، ومن نتائجِ هذه الغزوة هو إسلام واحد من سادات غطفان المطاعين وذوي الهيبة والنفوذ فيهم جراء عفو وصفح الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وهو دعثور بن الحارث الذي انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهو قائم تحت شجرة ينشر ثيابه كي تجف من مطر أصابهم في ذلك الموضع، فقال دعثور وهو حامل سيفا مصقولا يريد الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقف عن رأس النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وقال له مَن يمنعُك مني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، الله يمنعني ودفع جبريل عليه السلام دعثورا فوقع السيف من يده، فأخذه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فقال له صلى الله عليه وسلم " من يمنعك مني؟ فأجاب دعثور، لا أحد ثم نطق بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ومن هذه الواقعة استشفت القبائل العربية أن النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، مُرسل من عند الله إذ ليس من عادات الملوك والأمراء العفو عن من وقف حاملا السيف يريد النيل منهم إلى جانب عصمة الله له من الشر والأذى، وفي رواية وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم أتى قومه أي بعد أن أعطاه صلى الله عليه وسلم سيفه
فجعل يدعوهم إلى الإسلام، وأخبرهم أنه رأى رجلا طويلا دفع في صدره فوقع على ظهره، فقال، علمت أنه ملك فأسلمت، ونزلت هذه الآية الكريمة على النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم من سورة المائده ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم ) ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق حربا، وكانت مدة غيبته إحدى عشرة ليلة، وكما أن هذه الغزوة أسهمت في تقوية جيش المسلمين وتدريبه كي يقوى على مواجهات أشد في الأيام والسنوات اللاحقة، وفي موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع دعثور بن الحارث في غزوة ذي أمر تجلى حب النبي صلى الله عليه وسلم للعفو والصفح عمن أساء إليه، وقال ابن حجر، فمن عليه وعفا عنه، لشدة رغبته صلى الله عليه وسلم في استئلاف الكفار، ليدخلوا في الإسلام، وقد ترك هذا الموقف النبوي الكريم أثرا كبيرا في أعراب هذه المنطقة من غطفان.
وقد بين لهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس رجلا شجاعا وكريما وعفوا فحسب، وإنما هو أيضا نبي مرسل، لأنه ليس من عادة الملوك والقادة أن يتركوا من وقف على رؤوسهم بالسيف مهددا بقتلهم دون أن يقتلوه، وليس من عادتهم الرحمة والتسامح إلى هذا الحد، مما كان لذلك أبلغ الأثر في تفكير هؤلاء الأعراب جديا في الدخول في الإسلام، وقد ظهر في غزوة ذي أمر وغيرها من غزوات وأحداث من السيرة النبوية خصوصية من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم، وهي عصمة وحفظ بدنه الشريف من القتل، فالسيرة النبوية مليئة بالأمثلة الدالة على ذلك، ومنها عصمته وحفظه صلى الله عليه وسلم من محاولة أبي جهل وأبي لهب قتله، وحفظه يوم هجرته ممن حاصروا بيته بقصد قتله، وحفظه من محاولة سراقة بن مالك قتله أثناء الهجرة، وكذلك فشل محاولة قتله صلى الله عليه وسلم من دعثور بن الحارث في غزوة ذي أمر، وغورث بن الحارث في غزوة ذات الرقاع.
google-playkhamsatmostaqltradent
close