recent
أخبار ساخنة

لاجئٌ وطنيّ ..بقلم الكاتبة مرح محمد المصري / وطنى نيوز


 


بقلم الكاتبة مرح محمد المصري 
 
لا تفتَح نافذتَك لطيورٍ قد تلتهمَكَ وتظنّكَ دودةً قد خرجَتْ من جُحرِها، هذا ما كُتِب على ستائِرَ النّافِذة... ضجيجُ قدميكَ عالٍ، اضبُط خطواتَكَ وَضَعها على الوضعِ الصّامِت...
أو تظاهَر بأنكَ جُثّةٌ محنطةٌ علّ ما يُخبَّئ خلفَ الباب لا يَشْتَمُّ رَائِحَتَك...
أمّا عن البابِ فخلفَهُ يوجَد ذِئْبٌ بأَنيابٍ سيأخُذُكَ بهيْئَةِ الجَدَّةِ إلى الغابَة، مُهدِّئَاً من ارتعاشِ يديْكَ بوصْفِ عينيهِ وقُوّة سواعدِهِ البارِزَة بأنَّها للمُساعَدة ،أو لرُبَّما وجدْتَ لِصّاً سينْتَشِل من مُخَيّلتِك كُلّ ما حَلِمتَ به وَيصرُخ في وَجْهِكَ مُخبِراً إيّاكَ بأنَّها ليسَت مِن مِلكِكَ..
تَلتَفِتَ لِتَفتَح البابَ الآخَرَ ذاكَ الذي في نهايَةِ الرواقِ، تمُدَّ رأسَكَ بخَوْف، وتَخطُو خُطوَةً واحدةً خارجاً، فَتُسحَب... بائعٌ مُلثَّمٌ، أنيابُه من أسفلِ اللَّثمِ ظاهرةً، هات مالديكَ واشتَري لمعدتِكَ ثمرةَ فاكِهةٍ،تضرِبُ بيدِكَ على جيبِكَ فتجِد ليرةً وبضعَةَ أوراقٍ كُتبت عليها مُتطلَّبَات اليَوم، يستَشيطُ البَائعُ منكَ غَضَباً ويَرْميكَ خارِجاً، على ما يبدو لن تأكُلَ هذهِ اللَّيلة أيضاً ، ويربِّتُ بيدِه على بطنِه الجَاهِر ويعود لجُحرِه....
تُكمِل طريقَكَ مُحبَطاً مِن مُرِّ ما مرَرْتَ، لتجِد تاجِراً يطوِّقكَ بذراعيْه، خُذ لِتراً من الزّيْت، وأعطِني إحدى كليَتَيكَ، لا تخَفْ لتدفَع بِجسَدِك بعيداً عنْهُ هارِباً، مُنقِذاً لأعضائِكَ..
تجُرَّ جسَدَكَ المُنهَك، إلى كُرسِيٍّ لِتَستجْمِعَ ما تَبقَّى لكَ من قُوَّةٍ وتَنهَض...
على يمينِكَ امرَأةٌ عجوز في السَّبعين من العُمر، تقترب منكَ بِتَرَوِّي، لتبدَأ بعدَها حديثاً معكَ...
-مَا بَالَكَ يَا بُنَيْ، مَا خَطْبَ وَجْهِكَ الشَّاحِبِ ؟ أنظُرُ لَهَا وَالدُّموعَ تَكْبَحُ ذاتَها لِكَيْ لَا تَأْخُذْ مِنْ خَدِّي مَجْرَى لِتَصِلُ بَعْدَهَا عَلَى عُنْقِي فَتَخْنُقُنِي...
-قُلتُ:هذه البلدُ مُنهكةٌ يا جَدَّة..
تقول:أتَضْعَف وأنتَ في غابةٍ لا شفقةَ فيها...
-قلتُ:شفقَة،؟!! أهذهِ البلادُ أُدرِجَت في قائِمة الرَّحمة لتُسحَب مِنها الشّفَقة؟!...
تقول:أتَرى وَقار سَبعيني هذا، لم يُجدِي نَفعَاً؛ أمامَ ثُقبِهِم الدودِيّ ساحِباً أموالي دون حتّى أن يتِمّ علاجي ورَموني خارِجاً، لِأحارِب ما تبَقَّى من مرَضي في أيَّامي الأَخيرة وحيدةً دونَ عِناية .... تنظُرُ لي بِعينَاها الدّامِعة، وتقولُ لا تقعُدَ عاقِداً لأصابِعكَ، تلومُ بنَفسِكَ وتَتَحسَّر، شُدَّ جذعَك وانهَض...
لتسحَب قدمَيها وتتَّكِئ على عُكَّازَةٍ مودِّعةً إيايَ دون أن تنتظِر رداً مِني، أظُنَّنَي رأيتُ هَطَلَاً من عينَيها في ذاكَ الوَقت..
أسَحبُ نفسي صالباً ظهري مُنَفِّذاً للوَصيّة...
أُدخِلُ المفتاحَ في جَوزةِ البَاب، يُفتَح فتَسقُط على أقدامي رسائِلَ الفواتيرِ المُتراكِمة، هذه المَرَّة لا شَوقَ ولا حنينَ بينَها فقَد هجرَتني مُنذُ أَن تجاوَزتُ الحُدود ... يفتحُ السريرُ يديهِ معانِقاً إيايَ دافِعاً برأسي داخِلَ الوِسَادَةِ ليغرِقَني بِحُلمٍ أشبهَ بكابوسٍ مُمتعٍ مشهدُه الأوحد:" قُبعةٌ وربطةُ عُنُقٍ وحذاءٌ من ماركةٍ مُسجَّلَة يقِفُ بي فوقَ فاصِلٍ جُغرافِيٍّ ماسِكاً بدَفتَرٍ صَغيرٍ بإمكانِه أن يفتَحَ لي تسعةٌ وعشرونَ باباً...
ِلِأقِفَ بعدَها حائِراً....
أأتَّجِهُ غَرْباً ليهضُمَ أحشائِي الجُوع، أم أنتَقِلُ مع الرّيحِ شرقاً لتقضُمَ أطرافي العُنصُرِيَّة..
أيجِبُ عَليّ أن أتَّجِهَ جنوباً ليُغرِقَني ساحِلَ مرفَأٍ مُتعَبٍ مُهتك، أو أذهب شَمالاً حيثُ لا مفرَّ لي سِوى أن أستبدِلَ جُدرانِي بقِطَع قُمَاش الشَّفَقة...
فَأَهرَع بِجَسَدي فأقَعُ كما لو أنَّني رأيتُ شَبَحاً، لتُنقِذَ نَفسي ذَرَّّاتَ التُّرابِ معيدةً إيايَ للوَطَن ،لينتهي كابُوسي بَعدَها برنَّةِ منبِّهٍ تُنَبِّه عينايَ لتَستيقِظ...
عيناي ترمُقُ السقفَ ودِماغي ينبِّه لساني ليردِّدَ أنتَ في كِلتا الحالَتين لاجِئ...
فلتَبقى في حضنِ منفاكَ لاجئًاًّ دافئاً عِوَضاً عن تنبآت الوِجهَات....
google-playkhamsatmostaqltradent
close