recent
أخبار ساخنة

نفحات إيمانية ومع حب الأوطان " الجزء الثانى "/ وطني نيوز


 



إعداد / محمـــد الدكـــرورى


ونكمل الجزء الثانى مع حب الأوطان، فإن بناة الوطن والمخلصين له، يبقى ذكرهم بالخير ويخلد بين الناس، ويبقى أجرهم حتى يوم القيامة، ولمن يساهم في بناء وطنه وازدهاره سواء أكانت مساهمة حسية أم معنوية أم في توزيع الصدقات الجارية فله الأجر والثواب العظيم، لطالما عدّ الوطن أمانة في أعناق أهله، أما إذا كان البناء حسيا فيكون في بناء المرافق الخدمية والأوقاف النفعية ومشاريع البناء والإعانة على توفير العيش الكريم في الطيب والرخاء، والعيش في طيب ورخاء يقع على عاتق الجميع وليس مسؤولية الحكومة وحدها، إذ تقع تلك المسؤولية على عاتق جميع شرائح المجتمع وخصوصا أصحاب الأموال والمؤسسات والذين من واجبهم إعمار بلادهم وتطويرها، أما في حال كان البناء معنويا فيكون بتنشئة أجيال صالحة وتربيتهم تربية حسنة، لأن الولد الصالح ذكر حسن لأبيه، ولطالما كانت الأجيال القادمة هي بناة المجتمع المستقبلي، فتربيتهم على الأخلاق الفاضلة والطيبة يساهم في ازدهار المجتمع وتحسين إنتاجه، وإن حب الوطن والوفاء له منه أشكال وصور متعددة ومختلفة، ومن أهم وأجل هذه الصور هي المساهمة في نهوض وتطور المؤسسات العلمية ومرافقها الخدمية، فإن على أصحاب الأموال العمل على إنشاء بنيته التحتية. 


ويجب على ذوي العلم والكفاءات، وأصحاب الدراسات، وحرفيي المهن التعلم ونشر العلم والإرشاد لمصلحة العباد، فإن وجود المال وأصحاب الأموال يجب أن يصاحبه نهضة علمية تنير الوطن وتزهره، فقال تعالى فى سورة آل عمران " وإذ أخذ الله ميثاق الذين اوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه " وإن على أهل العلم مسؤولية كبيرة في المساهمة في بناء الوطن وتطوره، وهذه مهمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهي اليوم مهمة العظماء الذين يطبقون دينهم ويساعدوا على تنشئة المجتمع وإعادة هيكلته، وإن إحدى صور الإخلاص والوفاء للوطن هي تنمية مجالات التكافل الاجتماعي وتسهيل السبل الإنسانية، وعدم القيام بها يعد دليلا كبيرا على الأنانية، إذ يجب على المواطن الشعور بالوحدة الوطنية وتطبيقها في جميع صورها، ومساعدة الآخرين من الفقراء والمحتاجين وأي إنسان يحتاج إلى المساعدة، فالعمل الجماعي يُعد دائما من أسباب النجاح، إذ ورد في القرآن الكريم عن قصة رجل يملك جنة وكان يعطي الجميع من خيرها من أقارب وفقراء وغيرهم، وكان يطبق التكافل الاجتماعي بجميع معانيه السامية ولما مات تنكر وارثوه عن مبادئه وعزموا على تغيير نهجه في مساعدة المحتاجين والفقراء. 


فكانت عاقبتهم كما قال تعالى فى كتابه الكريم فى سورة القلم " إنا بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين، ولا يستثنون، فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون، فأصبحت كالصريم، فتنادوا مصبحين، ان اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين، فانطلقوا وهم يتخافتون، أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين، وغدوا على حرد قادرين، فلما رأوها قالوا إنا لضالون، بل نحن محرومون " فإن في النفس عتب كبير على من أشغله المال عن القيام بحق الوطن والمواطن فإنك ترى جانب ضعف المواطن عند مَن يسعى للربح المضاعف على حساب العامة واحتكار البضائع والتلاعب في الأسعار والتضييق على الناس في معاشهم واستغلال الأحداث والظروف دون النظر إلى حال الناس، ناهيك عن الغش والتدليس، وإن المتأمل في سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يجد أنها مليئة بالمواقف والأحداث التي تدل على حبه لوطنه وشوقه إليه، ودفاعه عنه، سواء حيث نشأ بمكة، أم حيث أقام بالمدينة، ومن أولى الواجبات في هذه الأيام إدراك قيمة الوطن والشعور بمكانته، خاصة في ظل الظروف والتحديات التي تمر بها منطقتنا العربية، لذا يجب علينا نشر ثقافة الولاء والعطاء والفداء بين الشباب من خلال المناهج الدراسية، والندوات والبرامج الإعلامية.


فالوطن هو السفينة التي يجب على الجميع الحفاظ عليها حتى تنجو وننجوا معها، فإن أغلى ما يملك المرء الدين والوطن، لذلك كان من الحقوق والواجبات الاجتماعية في الإسلام والتي غرسها في فطرة الإنسان حقوق الوطن والأرض التي يعيش فيها ويأكل من خيرها ويعبد الله تحت سمائها، وأول هذه الحقوق الحب الصادق لهذا الوطن، ولقد وقف النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يُخاطب مكة المكرمة مودعا لها وهي وطنه الذي أُخرج منه، فقد روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة "ما أطيبكِ من بلد، وأحبّك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك " رواه الترمذي، فقد قالها بلهجة حزينة مليئة أسفا وحنينا وحسرة وشوقا، مخاطبا إياها "ما أطيبك من بلد" ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مُعلم البشرية، يُحب وطنه لما قال هذا القول الذي لو أدرك كل إنسان مسلم معناه لرأينا حب الوطن يتجلى في أجمل صوره وأصدق معانيه، ولأصبح الوطن لفظا تحبه القلوب، وتهواه الأفئدة، وتتحرك لذكره المشاعر، وكما أن الإخلاص وحب الوطن والمجتمع والمساهمة في تنشئته وبنائه وتطويره والدفاع عنه هو أحد أهم الأساسيات الأخلاقية التي يرتكز عليها الإنسان. 


فكم من دولة لا تملك العتاد العسكري الحديث ولا تملك الأعداد الهائلة المدرّبة، ولكن بلحمتها واتحادها تقاوم العدو حتى آخر رمق دون استسلام وتستعصي عليه أكثر من تلك التي تملك كل أسباب النصر المادية من أسلحة وجيوش مجهزة، لذلك تجب المحافظة على الوطن والإخلاص له وبناؤه والمساهمة في ازدهاره والدفاع عنه إن لزم الأمر، وأنه لا ينبغي أن يكون شأننا مع أوطاننا قائما على حساب المصالح والمكاسب، فمن أعطي ما يريد بحق أو بدون حق رضي، ومن لم يُعط ما يريد ولو بغير حق انتفض، وشأنه في ذلك هو شأن من يتعاملون مع دين الله عز وجل بحساباتهم المادية الضيقة، ومما لاشك فيه أن خدمة الوطن شرف عظيم، والعمل على بناء الدولة ورفعتها ورقيها وتقدمها مقصد شرعي ووطني، لأن حب الوطن والولاء والانتماء له وإدراك مكانته قيمة إنسانية راقية، لا يشعر بها ولا يقوم بواجبها إلا أصحاب الفطر السليمة، والمبادئ القويمة، فالوطن ليس مجرد بقعة من الأرض نعيش عليها، فالوطن حياة وهوية وأمانة، وإنه لما بلغ النبي الكريم صلى الله عليه وسلم الجحفة في طريقه إلى المدينة اشتد شوقه إلى مكة، فأنزل الله عليه قوله تعالى فى سورة القصص " إن الذى فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد" 


أي لرادك إلى مكة التي أخرجوك منها، ومن هنا يقول سيد قطب رحمه الله في تفسير هذه الآية " إنه يتوجه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن خلفه القلة المسلمة التي كانت يومها بمكة، ويتوجه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مخرج من بلده، مطارد من قومه، وهو في طريقه إلى المدينة التي لم يبلغها بعد، فقد كان بالجحفة قريبا من مكة، وقريبا من الخطر، ولكن يتعلق قلبه وبصره ببلده الذي يحبه، والذي يعز عليه فراقه لولا أن دعوته أعز عليه من بلده وموطن صباه، ومهد ذكرياته، ومقر أهله، ويتوجه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في موقفه ذلك فما هو سبحانه وتعالى بتاركك للمشركين" وعندما هاجر إلى المدينة، واستوطنها ألفها، بل كان يدعو الله أن يرزقه حبها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد" رواه البخاري، فهو يدعو الله بأن يرزقه حب المدينة أشد من حبه لمكة، لاستشعاره بأنها أصحبت بلده ووطنه التي يحن إليها، ويسر عندما يرى معالمها التي تدل على قرب وصوله إليها، ومثلما دعا بحبها فقد دعا لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة" رواه البخاري. 


وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم بارك لنا في تمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعا لمكة، ومثله معه" رواه مسلم، وكان من دعاء الخليل إبراهيم عليه السلام لمكة ودعاء رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم للمدينة فيظهر حبهما لتلك البقعتين المباركتين، اللتين هما موطنهما، وموطن أهليهما، ومستقر عبادتهم، ولقد اقترن حب الأرض في القرآن الكريم بحب النفس، فقال الله تعالى فى سورة النساء " ولو أنا كتبنا علسهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل " وقد اقترن في موضع آخر بالدين فى سورة الممتحنة فيقول الله تعالى " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم " فكل هذا يدل على تأثير الأرض، وعلى أن طبيعة الإنسان التي طبعه الله عليها حب الوطن والديار، وكذلك فإن ارتباط الإنسان بوطنه وبلده مسألة متأصلة في النفس، فهو مسقط الرأس، ومستقر الحياة، ومكان العبادة، ومحل المال والعرض، ومكان الشرف، على أرضه يحيا، ويعبد ربه، ومن خيراته يعيش، ومن مائه يرتوي، وكرامته من كرامته، وعزته من عزته.

google-playkhamsatmostaqltradent
close