recent
أخبار ساخنة

نعمة الرضا بأقدار الله وعطاءاته .. بقلم د. محمد بركات / وطنى نيوز


 

 
بقلم د. محمد بركات
الحمد لله رب العالمين، خالق كل شيء بقدر ولقدر فمن رضي بقدره أورثه عزة الملوك وراحة صفاء القلوب وهداية الحائر المطلوب وجنبه الكثير من الآثام والذنوب، ثم الصلاة والسلام على خير مخلوق من بذكره لا يكون عقوق فهو بأبي وأمي الصادق المصدوق وبعد:
فإن من أجل النعم قدرا ومقدارا نعمة الرضا بما عندك من الخير لك أن تطمح وتعمل وتزيد في دخلك وما تريد لكن لو لم يكن عندك رضا لا شك ينقصك الكثير والكثير وليتقرر ويستقر في داخلك أن الله وحده هو الذي
يعطى ويمنع ، ويخفض ويرفع , ويضر وينفع ، لا مانع لما أعطى ولا معطى لما يمنع . يكور النهار على الليل ويكور الليل على النهار . يعلم الأسرار ، ويقبل الأعذار ، وكل شئ عنده بمقدار .
الله وإمام الشاكرين الصابرين ؛ محمد بن عبد الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن والاه واتبع هداه .
وبعد . . . ؛
ورسولنا المصطفي صلي الله عليه وسلم كان سيد الراضين وهو المحبوب إذا ذكر وهو المنارة لكل الراضين صلي الله عليه وسلم.
والرضا ثمرة من ثمار المحبة ، وهو من أعلى مقامات المقربين ، وحقيقته غامضة على الأكثرين ، وهو باب الله الأعظم ، ومستراح العارفين ، وجنة الدنيا ، فجدير بمن نصح نفسه أن تشتد رغبته فيه ، وأن لا يستبدل بغيره منه ، أن ترضى عن الله ، لا بلسانك ، ولكن بجنانك .
والرضا هو رضا العبد عن الله : بأن لا يكره ما يجري به قضاؤه ، ورضا الله عن العبد أن يراه مؤتمراً بأمره منتهياً عن نهيه
ومن ينقصه الرضا تنقصه السعادة وإن ملك الدنيا في جيبه وبيته وبين أهله .. في الحقيقة هو بائس يائس حزين عبوس الفقير بالنسبة له هو الحي وفي الحقيقة هو ميت بين الأحياء.
والمسلم الحق هو من يسلم أموره كلها ويجعلها خالصة لله رب العالمين , حتى ترضى نفسه ويطمأن قلبه , قال تعالى : " قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ [ سورة الأنعام:162-164].
والمسلم الحق هو الذي يعجل إلى ربه ويفر إليه طالبا رضاه : " وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) سورة طه.
فعَنْ ثَوْبَانَ ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي : رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا ، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا ، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُرْضِيَهُ. أخرجه التِّرْمِذِي (3389) .
قال معروف الكرخي: قال لي بعض أصحاب داود الطائي: إياك أن تترك العمل، فإن ذلك الذي يقربك إلى رضا مولاك، فقلت: وما ذلك العمل قال: دوام الطاعة لمولاك , وحرمة المسلمين، والنصيحة لهم (وفيات الأعيان 5/232).
فقلة الرضا سبب لتعاسة الإنسان في هذه الحياة , وسبب لهجوم الهموم والغموم عليه .
سئل الحسن البصري: من أين أتِي هذا الخلق؟ قال: "من قِلَّة الرضا عن الله"
، قيل له: ومن أين أتي قلّة الرضا عن الله؟ قال: "من قلّة المعرفة بالله".
وعن عبد الرحمن بن إبراهيم الفهري : عن أبيه قال : أوحى الله عز وجل إلى بعض أنبيائه : إذا أوتيت رزقا مني فلا تنظر إلى قلته ، ولكن انظر إلى من أهداه إليك ، وإذا نزلت بك بلية ، فلا تشكني إلى خلقي ، كما لا أشكوك إلى ملائكتي حين صعود مساوئك وفضائحك إلي (المنتخب من كتاب الزهد والرقائق , للخطيب البغدادي 1/108.).
وانظر لما نزل بحذيفة بن اليمان الموت جزع جزعا شديدا فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : ما أبكي أسفا على الدنيا بل الموت أحب إلي ولكني لا أدري على ما أقدم على الرضا أم على سخط ؟. ابن أبي الدنيا : المحتضرين 1/122.
وفي هذا المعني والسياق يقول ابن سعدان:
تقنَّع بما يكفيك والتمس الرِّضا
فإنَّك لا تدري أتصبح أم تمسي
فليس الغنى عن كثرة المال إنَّما
يكون الغنى والفقر من قبل الَّنفس
فالمؤمن دائماً راض عن الله على كل حال , فلا تراه إلا حامدا شاكرا , ويقول : إننا والله في نعمة لو علمها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف"!!.
قال ابن عجيية في تفسيره : "إذا عَلِمَ العبدُ أن الله كاف جميع عباده ، وثق بضمانه ، فاستراح من تعبه ، وأزال الهموم والأكدار عن قلبه ، فيدخل جنة الرضا والتسليم ، ويهب عليه من روح الوصال وريحان الجمال نسيم ، فيكتفي بالله ، ويقنع بعلم الله ، ويثق بضمانه.{البحر المديد} 5/320.
وانظر لقمة الرضا أن الله قد رضي الله سبحانه لنا هذا الدين قال تعالى :" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا "{سورة المائدة: الآية 3}..
ويوم القيامة ستكون العيشة الراضية عاقبة هؤلاء و أهل اليمين ، قال سبحانه وتعالى : "فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24).{ سورة الحاقة}.
فالسعيد الحق هو من رضي بما قسم الله له , وصبر لمواقع القضاء خيره وشره , وأحس وذاق طعم الإيمان بربه , كما قال المصطفى - صلى الله عليه وسلم - : " ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رضي بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً. . أخرجه أحمد 1/208(1778) و"مسلم" 1/46(60) والتِّرْمِذِيّ" 2623 .
ولقد كتب الفاروق إلى أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنهما ـ يقول له: (أما بعد، فإن الخير كله في الرضى، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر).
قال صلى الله عليه وسلم: " عَنْ ثَوْبَانَ ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي : رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا ، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا ، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُرْضِيَهُ.. أخرجه أحمد 1/208(1778) و"مسلم" 1/46(60) والتِّرْمِذِيّ" 2623 .
وعَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِحْصَنٍ الأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا. البُخَارِي ، في "الأدب المفرد"300 و"ابن ماجة"4141 و"التِّرمِذي" 2346 .
ولذلك قال أحدهم :
إذا اشتدت البلوى تخفّفْبالرضا
عن الله قد فاز الرضيُّ المراقب
وكم نعمة مقرونة ببليّة
على الناس تخفى والبلايا مواهب
قيل ليحيى بن مُعاذ رحمه الله: متى يبلغ العبد مقام الرضا؟ قال: إِذا أَقام نفسه على أَربعة أُصول فيما يعامل به ربِّه، فيقول: إن أعطيتني قَبِلْت، وإِن منعتني رضيت، وإِن تركتني عبدت، وإِن دعوتني أَجبت .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :"إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِى وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِى بِشَىْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِى يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِى يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذِى يُبْصِرُ بِهِ ، وَيَدَهُ الَّتِى يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِى يَمْشِى بِهَا ، وَإِنْ سَأَلَنِى لأُعْطِيَنَّهُ ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِى لأُعِيذَنَّهُ ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَىْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِى عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ. أخرجه البخاري 8/131(6502) .
وليعلم العبد أن الرضا نوعان‏:‏
أحدهما‏:‏ الرضا بفعل ما أمر به وترك ما نهي عنه‏.‏ ويتناول ما أباحه اللّه من غير تعدٍ إلى المحظور، كما قال‏ الله تعالى:‏ ‏{‏وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ‏}‏‏ . التوبة‏:‏ 62‏.
والثاني:‏ الرضا بالمصائب، كالفقر والمرض ، فهذا الرضا مستحب في أحد قولي العلماء‏ وليس بواجب، وقد قيل‏:‏ إنه واجب، والصحيح أن الواجب هو الصبر‏.‏ كما قال الحسن‏:‏ الرضا غريزة، ولكن الصبر معول المؤمن‏.‏
وأما عن علامات الرضا فقد قال العلماء: علامات الرضا ثلاث:
1. ترك الاختيار قبل القضاء بالاستخارة.
2. فقد المرارة عند القضاء.
3. دوام حب الله في القلب بعد القضاء.
قال ابن القيم: " الطريق طريقٌ تعِب فيه آدم ، وناح لأجله نوح ، ورُمي في النار الخليل ، وأُضْجع للذبح إسماعيل ، وبيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع سنين ، ونُشر بالمنشار زكريا ، وذُبح السيد الحصور يحيى ، وقاسى الضرَّ أيوب ... وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد صلى الله عليه وسلم " . الفوائد ص (42).
وليعلم الجميع أن السعادة منبعها الحقيقي هو الرضا
فعن أبي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:مَنْ يَأْخُذُ مِنْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ ، فَيَعْمَلُ بِهِنَّ ، أَوْ يُعَلِّمُهُنَّ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ ؟ قَالَ : قُلْتُ : أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّهُنَّ فِيهَا ، ثُمَّ قَالَ : اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا ، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا ، وَلاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ. . أخرجه أحمد (2/310 ، رقم 8081) ، انظر حديث رقم : 100 في صحيح الجامع.
فمنْ ملأ قلبه من الرضا بالقدر ، ملأ اللهُ صدرهُ غِنىً وأمْناً وقناعةً ، وفرَّغ قلبه لمحبَّتِه والإنابِة إليه ، والتَّوكُّلِ عليه . ومنْ فاته حظُّه من الرِّضا ، امتلأ قلبُه بضدِّ ذلك ، واشتغل عمَّا فيه سعادتُه وفلاحُه .فالرِّضا يُفرِّغُ القلب للهِ ، والسخطُ يفرِّغُ القلب من اللهِ ، ولا عيش لساخِطٍ ، ولا قرار لناقِمٍ ، فهو في أمر مريجٍ ، يرى أنَّ رزقهُ ناقصٌ ، وحظَّهُ باخِسٌ ، وعطيَّتهُ زهيدةٌ ، ومصائبهُ جمَّةٌ ، فيرى أنه يستحقّ أكْثر منْ هذا ، وأرفع وأجلَّ ، لكنّ ربَّه – في نظرِهِ – بخسهُ وحَرَمَه ومنعَهُ وابتلاه ، وأضناهُ وأرهَقَه ، فكيف يأنسُ وكيف يرتاح ، وكيف يحيا ؟ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾ .28 سورة محمد.
قال الشافعي:
دع الأيامَ تفعل ما تشاءُ * * * وطِبْ نفساً بما حَكَمَ القضاءُ
ولا تَجْزعْ لحادثِة الليالي * * * فما لحوادثِ الدنيا بقاءُ
وكن رجلاً على الأهوالِ جَلْداً * * * وشيمتُكَ المروةُ والوفاءُ
وإِن كثرتْ عيوبُكَ في البرايا * * * وسرَّكَ أن يكون لها غطاءُ
تسترْ بالسَّخاءِ فكل عَيْبٍ * * * يغطيه كما قيلَ السخاءُ
ومن جماليات الرضا السلامة وهي النعمة التي لا مثيل لها..نعم السالم في زماننا قليل جدا
فعَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ ِللهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُوقَدَ لَهُ نَارٌ فَيُقْذَفَ فِيهَا. أخرجه أحمد 3/103(12025) . والبُخَارِي 1/10(16) و\"مسلم\" 1/48(74) .
وأما السُّخطُ فإنه يفتحُ عليك باب الشَّكِّ في اللهِ ، وقضائه ، وقدرِه ، وحكمتِهِ وعلمِهِ ، فقلَّ أنْ يَسْلَمَ الساخِطُ منْ شكٍّ يُداخلُ قلبه ، ويتغلغلُ فيه ، وإنْ كان لا يشعرُ به ، فلوْ فتَّش نفسه غاية التفتيشِ ، لوَجَدَ يقينهُ معلولاً مدخولاً ، فإنَّ الرضا واليقين أخوانِ مُصطحبانِ ، والشَّكَّ والسُّخط قرينانِ ، وهذا معنى الحديثِ الذي في الترمذيِّ : إنِ استطعت أن تعمل بالرِّضا مع اليقينِ ، فافعل . فإن لم تستطع ، فإن في الصبر على تكره النَّفْسُ خيْراً كثيراً .
واسمع لأنس بن مالك رضي الله عنه قال : كنا جلوساً مع الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ( يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة ) ، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد تعلق نعليه في يده الشمال فلما كان الغد قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى ، فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضاً فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت فقال: نعم ، قال أنس : وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئاَ غير أنه إذا تعار وتقلب على فراشه ذكر الله عز وجل وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله قلت: يا عبد الله إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ثلاث مرار يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلعت أنت الثلاث مرار فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأ قتدي به فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه. فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق.رواه أحمد (12405) والنسائي في الكبرى ( 10597) .
ويكفيك عن الراضي أنه شاكر دائم لله تعالي في كل أوقاته وأحواله:
فعن الربيع بن أنس عن بعض أصحابه قال علامة حب الله كثرة ذكره وعلامة الدين الإخلاص لله وعلامة العلم الخشية لله وعلامة الشكر الرضا بقضاء الله والتسليم لقدره .
وقد روي لنا الإمام البخاري بسنده عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد قال : لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا جبريل فناداني فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال قم قال : يا محمد فقال : إن ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا فعند ذلك قال له ملك الجبال : أنت كما سماك ربك رؤوف رحيم.
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود ، قَالَ:اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى حَصِيرٍ ، فَأَثَّرَ في جَنْبِهِ ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ ، جَعَلْتُ أَمْسَحُ جَنْبَهُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلاَ آذَنْتَنَا حَتَّى نَبْسُطَ لَكَ عَلَى الْحَصِيرِ شَيْئًا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : مَا لي وَلِلدُّنْيَا ، مَا أَنَا وَالدُّنْيَا ، إِنَّمَا مَثَلِى وَمَثَلُ الدُّنْيَا ، كَرَاكِبٍ ظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا . أخرجه أحمد 1/391(3709) وابن ماجة( 4109) و\"التِّرمِذي\" 2377 .
قال مُطرِّف بن عبدالله الشخير: أتيت عمران بن حصين يوماً، فقلت له: إني لأدع إتيانك لما أراك فيه، ولما أراك تلقى. قال: فلا تفعل، فو الله إن أحبه إليّ أحبه إلى الله .وكان عمران بن الحصين قد استسقى بطنه، فبقي ملقى على ظهره ثلاثين سنة، لا يقوم ولا يقعد، قد نقب له في سرير من جريد كان عليه موضع لقضاء حاجته.فدخل عليه مطرف وأخوه العلاء، فجعل يبكي لما يراه من حاله فقال: لم تبكي؟ قال: لأني أراك على هذه الحالة العظيمة. قال: لا تبك فإن أحبه إلى الله تعالى، أحبه إلي. ثم قال: أحدثك حديثاً لعل الله أن ينفع به، واكتم علي حتى أموت، إن الملائكة تزورني فآنس بها، وتسلم علي فأسمع تسليمها، فأعلم بذلك أن هذا البلاء ليس بعقوبة، إذ هو سبب هذه النعمة الجسيمة، فمن يشاهد هذا في بلائه، كيف لا يكون راضياً به؟ إحياء علوم الدين 4/349).
لما عمي ابن عباس رضي الله عنه أنشد راضيا :
إِنْ يَأْخُذِ اللهُ مِنْ عَيْنَيَّ نُورَهُمَا * فَفِي لِسَانِي وَقَلْبِي مِنْهُمَا نُورُ
قَلْبِي ذَكِيٌّ، وَعَقْلِي غَيْرُ ذِي دَخَلٍ * وَفِي فَمِي صَارِمٌ كَالسَّيْفِ مَأْثُورُ
الله الله الله في الرضا نسأل الله الرضا بما كتب و وهب و رزق وفتح لنا من أبواب فضله وعطاءاته..دمتم راضين
google-playkhamsatmostaqltradent
close