recent
أخبار ساخنة

نفحات إيمانية ومع العزير عليه السلام " الجزء الرابع " / وطنى نيوز


 


إعداد / محمـــد الدكـــرورى
 
ونكمل الجزء الرابع مع العزير عليه السلام، وقد توقفنا عندما بعث الله عز وجل إلى عزير ملكا فخلق قلبه ليعقل قلبه وعينيه لينظر بهما فيعقل كيف يحيي الله الموتى، ثم ركب خلقه وهو ينظر، ثم كسا عظامه اللحم والشعر والجلد ثم نفخ فيه الروح كل ذلك وهو يرى ويعقل، فاستوى جالسا فقال له الملك كم لبثت؟ قال عزير، لبثت يوما أو بعض يوم، وذلك أنه كان لبث صدر النهار عند الظهيرة وبعث في آخر النهار والشمس لم تغب ولكن بعد مائة عام، فقال له الملك بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك، يعني الخبز اليابس لم يتغير, فذلك معنى قوله تعالى " لم يتسنه" أي لم يتغير، وكذلك التين والعنب غض لم يتغير شيء منه، فكأنه أنكر في قلبه فقال له الملك، انظر إلى حمارك، فنظر إلى حماره وقد بليت عظامه وصارت نخرة، فنادى الملك عظام الحمار فأجابت وأقبلت من كل ناحية حتى ركبت فوق بعضها, وعزير ينظر إليه ثم ألبسها العروق والعصب ثم كساها اللحم ثم أنبت عليها الجلد والشعر، ثم نفخ فيه الملك فقام الحمار رافعا رأسه وأذنيه إلى السماء وذلك كله بأمر من الله وتدبيره، فركب حماره حتى أتى محلته فأنكره الناس وأنكر الناس ، فانطلق حتى أتى منزله، فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة، فقال لها عزير، يا هذه أهذا منزل عزير قالت نعم هذا منزل عزير، فبكت وقالت ما رأيت أحدا من كذا وكذا سنة يذكر عزيرا وقد نسيه الناس، قال إني أنا عزير كان الله أماتني مائة سنة ثم بعثني قالت سبحان الله فإن عزيرا قد فقدناه منذ مائة سنة فلم نسمع له بذكر.
قال فإني أنا عزير قالت فإن عزيرا رجل مستجاب الدعوة يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء، فادعوا الله أن يرد عليّ بصري حتى أراك فإن كنت عزيرا عرفتك، قال فدعا ربه ومسح بيده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها وقال قومي بإذن الله، فأطلق الله رجليها، فنظرت فقالت أشهد أنك عزير، وانطلقت إلى بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم، فنادتهم فقالت هذا عزير قد جاءكم، فكذبوها، فقالت أنا فلانة دعا لي ربه فرد علي بصري وأطلق رجلي وزعم أن الله أماته مائة سنة ثم بعثه، قال فنهض الناس فأقبلوا إليه فنظروا إليه فقال ابنه كان لأبي شامة سوداء بين كتفيه، فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير، فقالت بنو إسرائيل لعزير إنه لم يكن فينا أحد قد حفظ التوراة وقد حرق بختنصر التوراة ولم يبق منها شيء ، فاكتبها لنا وكان, والد عزير قد دفن التوراة أيام بختنصر في موضع لم يعرفه أحد غير عزير، فانطلق بهم إلى ذلك الموضع فحفره فاستخرج التوراة وكان الورق قد عفن، وجلس عزير في ظل شجرة وبنو إسرائيل حوله ونزل من السماء شهابان حتى دخلا جوفه، فتذكر التوراة فجددها لبني إسرائيل فمن بعد ذلك أصبحت بنو اسرائيل تقول إن عزيرا هو ابن الله، وتعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وإن المشهور أن عزيرا من أنبياء بني إسرائيل وأنه كان فيما بين نبى الله داود وسليمان، وأنه لما لم يبق في بني إسرائيل من يحفظ التوراة وقد ألهمه الله تعالى حفظها فسردها على بني إسرائيل، فكان عزير من أنبياء بني إسرائيل، وقد أماته الله مائة عام ثم بعثه.
وجدد الدين لبني إسرائيل وعلمهم التوراة بعد أن نسوها، وكان يحفظ التوراة، ثم وقعت له قصة مدهشة، فقد أماته الله مائة عام ثم بعثه، وقد مرت الأيام على بني إسرائيل في فلسطين، وانحرفوا كثير عن منهج الله عز وجل، فأراد الله أن يجدد دينهم، بعد أن فقدوا التوراة ونسوا كثيرا من آياتها، فبعث الله تعالى إليهم عزيرا وقد أمر الله سبحانه وتعالى عزيرا أن يذهب إلى قرية، فذهب إليها فوجدها خرابا، ليس فيها بشر فوقف متعجبا، كيف يرسله الله إلى قرية خاوية ليس فيها بشر، وقف مستغربا، ينتظر أن يحييها الله وهو واقف، لأنه مبعوث إليها، فسؤاله سؤال تعجب وليس اعتراض، فأماته الله مائة عام ومن هنا يقول المولى عز وجل فى كتابه الكريم كما جاء فى سورة البقرة " أو كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها قال أنى يحيى هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه " أى قبض الله تعالى روحه وهو نائم، ثم بعثه، فاستيقظ عزير من نومه، فأرسل الله تعالى له ملكا في صورة بشر فقال " قال كم لبثت " فأجاب عزير قائلا " قال لبثت يوما أو بعض يوم " أى بمعنى إنى نمت يوما أو عدة أيام على أكثر تقدير، فرد الملك عليه قائلا " قال بل لبثت مائة عام " ويعقب الملك مشيرا إلى إعجاز الله عز وجل فيقول له " فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك" فقد أمره بأن ينظر لطعامه الذي ظل بجانبه مائة سنة، فرآه سليما كما تركه، لم ينتن ولم يتغير طعمه او ريحه، ثم أشار له إلى حماره، فرآه قد مات وتحول إلى جلد وعظم.
ثم بين له الملك السر في ذلك وقال له " ولنجعلك آية للناس" ويختتم كلامه بأمر عجيب فيقول له " وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما" فنظر عزير للحمار فرأى عظامه تتحرك فتتجمع فتتشكل بشكل الحمار، ثم بدأ اللحم يكسوها، ثم الجلد ثم الشعر، فاكتمل الحمار أمام عينيه، ويخبرنا المولى سبحانه وتعالى بما قاله عزير في هذا الموقف فيقول " فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شئ قدير" فسبحان الله أي إعجاز هذا، ثم خرج إلى القرية، فرآها قد عمرت وامتلأت بالناس، فسألهم هل تعرفون عزيرا؟ قالوا نعم نعرفه، وقد مات منذ مائة سنة، فقال لهم أنا عزير، فأنكروا عليه ذلك ثم جاءوا بعجوز معمّرة، وسألوها عن أوصافه، فوصفته لهم، فتأكدوا أنه عزير، فأخذ يعلمهم التوراة ويجددها لهم، فبدأ الناس يقبلون عليه وعلى هذا الدين من جديد، وأحبوه حبا شديدا وقدّسوه للإعجاز الذي ظهر فيه، حتى وصل تقديسهم له أن قالوا عنه أنه ابن الله وهنا يقول تعالى فى كتابه الكريم " وقالت اليهود عزير ابن الله " وقد استمر انحراف اليهود بتقديس عزير واعتباره ابنا لله تعالى ولا زالوا يعتقدون بهذا إلى اليوم، وهذا من شركهم وضلالهم والله سبحانه وتعالى عن ذلك كله فهو تعالى القائل " ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه، وقيل بأن هناك اعتقاد بأن يهود اليمن هم من نسبوا بنوة العزير لله، ويظهر ذلك في إحدى آراء ابن حزم الأندلسي التي تقول بأن هناك بعض من يهود اليمن يعتقدون أن عزيرا ما هو إلا ابن الله مع أنه لم يعش في اليمن.
ومع ذلك، ليس هناك ما يثبت وجود تلك الفئة من اليهود، علاوة على ذلك، تبدو نظرية ابن حزم شاذة وتحديدا عند الإطلاع على مادة اليمن في الموسوعة اليهودية، فيهود اليمن لا يتسمون باسمه، ويرجع هذا وفقا لما ورد في رواياتهم من لعن عزرا لهم أي يهود اليمن ليصبحوا فقراء لأنهم لم يرحلوا إلى إسرائيل، ومما يزيد تلك النظرية شذوذا، هو ما ورد في كتاب عزرا والمعترف من قبل اليهود من ذكر اسم والده سرايا، لذا يرى بعض المستشرقين مثل تشارلز توري أن الهدف هو جعل الإسلام الدين الوحيد ذو الصفة التوحيدية في حينها، فيما نجد أن موقف بعض مفسري القرآن الكريم يسير بشكل شبه مقارب للآراء السابقة، فالقرطبي على سبيل المثال علق على هذه المسألة بقوله هذا لفظ خرج على العموم ومعناه الخصوص، لأنه ليس كل اليهود قالوا ذلك، وهذا مثل فوله تعالى كما جاء فى سورة آل عمران " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل " وقيل إن من كان يقولها كانوا في زمان وقد انقضوا، وهذا متوجه للذم إليهم لأن بعضهم قد قاله، وعاضد هذا القول النقاش، فقال لم يبق يهودي يقولها بل قد انقرضوا، ومن الأقوال المعاصرة، نستشهد مما ذكر في كتاب تفسير الوسيط في تفسير القرآن الكريم لفضيلة الشيخ محمد سيد طنطاوي، فيقول وقد ذكر المفسرون هنا أقوالا متعددة في الأسباب التي حملت اليهود على أن يقولوا " عزير ابن الله " وأغلب هذه الأقوال لا يؤيدها عقل أو نقل.
ولذا فقد ضربنا عنها صفحا، متابعا وقد نسب الله سبحانه وتعالى، القول إلى جميع اليهود مع أن القائل بعضهم، لأن الذين لم يقولوا ذلك لم ينكروا على غيرهم قولهم، فكانوا مشاركين لهم في الإثم والضلال، وفيما يترتب على ذلك من عقاب، وقيل رأى آخر وهو إن عزرا فى التراث اليهودى هو عزرا ابن سرايا، النبى والكاهن والكاتب، اسم عبرى معناه عون، وكان كاهنا مؤمنا ورعا حفظ الكتاب المقدس وقام بنسخه، لقد كان دارسا مجتهدا، ومفسرا عميقا لوصايا الله وعهده لبنى إسرائيل فى وقت كان اليهود فى الاسر السبى البابلي لا يعرفون الكثير عن الشريعة والكتاب المقدس فنال بذلك حب اليهود وتقديرهم له إلا ان ذلك لم يصل ابدا الى مرتبة الأنبياء الكبار حسب المفهوم اليهودي، ويعتبر عزرا بمكانة موسى عند اليهود، فموسى هو الذى اخرج بنى اسرائيل من مصر، وعزرا هو الذى اخرج بنى إسرائيل من بابل، إلا أن عزرا لم يكن فى نظر اليهود ابنا لله والأهم إنه لم يدعى هو عن نفسه ذلك ولم يذكر لنا الكتاب المقدس أو الكتب اليهودية الموثقة الأخرى هذا الأمر، وقيل أنه قال اليهود عُزير ابن الله عندما كانوا فى مصر، يضاهئون قول الذين كفروا من قبل، يضاهئون قول المصريين من ناحية اخرى فإن الذى اماته الله مائة عام ثم بعثه ليس عزير، وما يقال فى كتب التفاسير مجرد تخمين، وقيل أيضا أن اليهود فى عصر نبى الله موسى عليه السلام كانوا يعيشون بمصر الفرعونية وقد اتخذوا عزير وهو أوزوريس إلها وزعموا أنه ابن الله من بعض العقائد الفرعونية.
التى ألهت أوزوريس وزعمت أنه ابن الله وروحه اتحدت بروح الإله الأكبر رع "الله الراعى أو الولي" وصعد إلى السماء وسكن بجواره واتخذ نجم "أوريون" موطنا له بعد صعوده للسماء، وقد عبد أوزوريس عند الأشوريين باسم "أشور" أو"أسر" ووفقا للباحث عيسى عبد الرحمن أوزوريس وأيزيس هما عُزير وعُزّى، وعزير المصرى هو الذى قال عنه اليهود انه ابن الله، موضحا أن أوزوريس وأيزيس ألفاظ اغريقية، واللفظ المصرى ضاع، وبرديات مصرية هيروغليفية تقول ان إيزيس هى المعبودة الرئيسية فى مدينة البتراء، عاصمة مملكة الانباط، والانباط عرب اتوا من سيناء وأنشأوا مملكة على اجزاء من الشام والعراق والجزيرة العربية، بالإضافة إلى سيناء والنقب، من القرن الرابع قبل الميلاد إلى القرن الثانى الميلادي، وعاصمتها البتراء، مدينة تقع فى الاردن حاليا، وفى البتراء لا يوجد اسم إيزيس، وإنما اسم العُزّى، وبيت العُزّى، وصفات إيزيس فمن تكون إيزيس سوى العزى؟ ومثلما يضيف الاغريق حرف السين على آخر الاسم، يضيف العرب لام التعريف على أول الاسم، وبعد حذف الحروف المضافة، نجد ان اسمها المصرى الاصلى عزى، ويعتقد البعض أن معتنقو المسيحية بأن العزير هو لعازر هو صديق المسيح، واسمه عبرى مختصر أليعازر، ومعناه من يعينه الله، وهو من بيت عنيا بأورشليم، وكان يسكن مع أختيه مريم ومرثا، وقد قام المسيح بإحيائه من موته بعد عودته لأورشليم، حيث كان قد توفى قبلها بأربع أيام.
إلا أن المراجع التاريخية تكذب ذلك كون العزير كان فى عصر ما قبل المسيح، وأن هناك تداخل للأسماء فقط، ويوجد في مدينة العيزرية شرق القدس المحتلة هناك قبر يعتقد أنه للعزير عليه السلام، وملاصق له مسجد العزير، وبجانبه أيضا كنيسة الروم الارثودوكس اليونانية، ويعتقد أن ضريح العزير موجود في محافظة العمارة جنوب العراق، وإن أنبياء الله جميعا يجب الإيمان بهم إجمالا، كما يجب الإيمان بمن ذكر منهم في القرآن الكريم تفصيلا، وقد جاء في القرآن الكريم ذكر خمسة وعشرين من الأنبياء وأما عن عزيز، ويقال له عزير فقد جاء في قصص الأنبياء لابن كثير نقلا عن ابن عساكر أنه عزير بن جروه، ويقال ابن سوريق ثم ساق نسبه إلى هارون بن عمران عليه السلام، ثم قال وكان ممن سباه بختنصر وهو غلام حدث، فلما بلغ أربعين سنة أعطاه الله الحكمة، ولم يكن أحد أحفظ منه ولا أعلم بالتوراة، والمشهور أنه نبي من أنبياء إسرائيل، وأنه كان فيما بين داود وسليمان وبين زكريا ويحيى عليهم السلام، وقال ابن كثير، وقيل قبره موجود في دمشق، وإن في قصص القرآن عبر ومواعظ يريد الله من عبادة التعلم منها، وفي قصة عزير عليه السلام مضامين لا بد للمسلم أن يفهمها وهى تتلخص في دعوة إلى التفكر في خلق الله، وكذلك الحث على الاهتمام بأحوال الأمة والعمل على إصلاحها بكل ما أوتي الإنسان من قوة وعلم، وكذلك إثبات قدرة الله سبحانه وتعالى على إحياء الموتى هو دليل قاطع على البعث بعد الموت، وبيان أن الحال تتبدل من ضعف إلى قوة ومن خراب إلى ازدهار والعكس، وذلك بقدرة الله سبحانه وتعالى، وكذلك توضيح أن الإيمان بالله عز وجل هو طريق النجاة الوحيد لكل إنسان.
google-playkhamsatmostaqltradent
close