recent
أخبار ساخنة

نفحات إيمانية ومع فضل الحديث " الجزء الخامس عشر " / وطنى نيوز

 


بقلم ..  محمـــد الدكــــرورى
 
ونكمل الجزء الخامس عشر مع فضل الحديث، وقد توقفنا عندما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من النهي عن كتابتها، ومحو ما كتب منها في عهده، ثم عدم الميل إلى كتابتها بعد وفاته، وتأخير كتابتها وتدوينها إلى نهاية القرن الأول الهجري، وميل الكثرة من جلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى روايتها ونشرها، وذلك كله مع ما كان الرواة معرضين له من السهو والنسيان وسوء الحفظ، وقلة الضبط، وسوء الفهم، مما يعرض عادة للناس على اختلاف بينهم في ذلك، وكل ذلك مما لا تطمئن معه نفس إلى صحة نقلها، ووصولها إلينا كما صدرت منه صلى الله عليه وسلم ومع اجتماع هذه الشكوك والريب تنتفي الطمأنينة إلى سلامتها، كما ينتفي الظن بصحة نسبتها، وبذلك تزول حجيتها، أو لا يجب العمل بها، هذه مقالتهم، وهي تستند كما يرى على أوهام وشكوك، منها ما يتعلق بروايتها، ومنها ما يتعلق بحجيتها، وهي كما نرى دعاوى تتسم بالإجمال والعموم، وعدم التفصيل والتركيز، يلقى القول فيها على عواهنه دون استناد إلى واقع معين مُفصّل، أو مثل محدودة مبينة، فادعاء التناقض والخلاف والاضطراب والزيادة والنقص بهذا الإجمال وعلى هذا الوضع من العموم، ادعاء باطل، فليس يوجد شيء من ذلك إلا في القليل النادر الضئيل العدد، ثم هو لا يوجد مع ملاحظة هذا إلا في الأحاديث الضعيفة المنكرة التي فقدت حجيتها.
 
وإذا وجد في الصحيح شيء من ذلك فبحسب الظاهر، ولم يكن وجوده فيها إلا بالنسبة إلى النظرة الأولى الخاطفة، أمّا عند استيعاب النظر، وعمق الفهم فلا يرى لذلك من أثر، وقد ألفت في ذلك كتب عديدة مستقلة تكفلت ببيان ذلك، فارتفع ببيانها ما زعموه من الخلاف والإشكال، وتبين عدم وجود شيء من ذلك، على أن وجود ذلك في فئة قلية العدد من الأحاديث قل أن يكون منها حديث صحيح لا يطعن في السنة جملة، ولا يضعف من قوتها وحجيتها التي قامت عليها الأدلة القاطعة، فكيف إذا تبين أن ليس لمثل هذا وجود في باطن الأمر وحقيقته؟ وأما الموضوعات فقد كان لعلماء الحديث مجهودهم الدائب الذي لا ينكر في تعرفها وتمييزها وتخليص السنة منها، وذلك بواسطة ما وضعوه من قواعد وأمارات وضوابط، وبما عرفوه عن الرواة، وتاريخهم وسيرهم، ومنِ اندس بينهم من الكذبة، والوضاعين، والمنافقين، وقد كانت معرفتهم لذلك معرفة واعية مستوعبة، متعددة الطرق والمناهج، وبذلك خلصوا السنة مما خالطها من الموضوعات، وألفوا في ذلك الكتب العديدة المستقلة، التي تكفلت بحصر الموضوعات وبيانها، وبذلك سلمت السنة بحمد الله ووفائه بوعده الذي أنزله في كتابه الكريم " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " وأما ما أشاروا إليه من تعرض رواتها للسهو، والنسيان، والغلط، وسوء الحفظ، والضبط، فقد كان لعلماء الحديث كما قدمنا في تجنب هذا. 
 
وبراءة الرواة الذين أخذ الحديث عنهم الجهد الذي لا ينكر، وذلك أنهم قد احتاطوا في قبول الحديث، وتثبتوا وتأكدوا من الأخبار ورواتها، وكان هذا منهجهم، ومنهج الصحابة والتابعين من قبلهم، بل ومنهج من جاء بعدهم، فحاولوا جميعا التثبت بكل وسيلة ممكنة، تضمن لهم معرفة صحة المروي وضبط راويه وعدالته والوثوق به، وكان من طرائقهم في ذلك أيضا طلب الحديث من راوى، أو من سند آخر، وجمع طرقه كلها، والرجوع إلى أئمة هذا الشأن، حتى استطاعوا بذلك وبغيره من الطرق التثبت من صحة الرواية، وتعرف الرواة وأحوالهم، ومن كان به عاهة من غفلة، أو نسيان ومن أصابه خطأ في روايته، حتى وصلوا بذلك إلى الطمأنينة والثقة بالرواة ومروياتهم، وحتى كانوا لا يقبلون إلا ما روي عمن عرف بالصدق، والأمانة، والحفظ، والإتقان، والضبط، وكانوا يرددون ما كان يتردد على ألسنة العلماء "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" لذلك كانوا يتجنبون الرواية ممن كان يعرف بينهم بضرب من الغفلة، وإن اشتهر بالصلاح والتقوى، ولقد نقل عن الإمام مالك رضي الله عنه أنه قال "أدركت بالمدينة مشيخة لهم فضل، وصلاح، وعبادة يحدثون، فما كتبت عن أحدهم حديثا قط، فقيل له "لم؟" قال "لأنهم لم يكونوا يعرفون ما يحدّثون" قال "وكنا نزدحم على باب ابن شهاب"، وهكذا يرى أن ما لاكته ألسنة هؤلاء المارقين. 
 
من طعون وشبهات وجهوها إلى الرواة ورواياتهم، لا أساس لها، ولا تستند إلى واقع، ولا يمس صحة السنة، ولا ترتفع إلى مستوى النظر إليها والاعتداد بها، بعد الذي صينت به رواية السنة، وحوفظ به على متنها، وكان ذلك يلاحظ أن ما وجهوه من ذلك إلى بعض رواة الحديث من مطاعن، أو إلى أحاديث معينة من شبهات، لا يقدح في السنة جميعها، ولا ينال من الرواة أجمعين، وفي بحثه وتمحيصه والرد عليه وضعت كتب مستقلة، ومقالات مفردة، وأما ما أشاروا إليه من النهي عن كتابتها، وعدم تدوينها ونشرها وروايتها بالمعنى، فلقد أقام هؤلاء ضلالهم وانحرافهم على الشبهات الآتية أنه قال الله تعالى " ما فرطنا فى الكتاب من شئ " وقال الله تعالى " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء" وقالوا هذا يدل على أن القرآن الكريم قد تضمن كل أمر من أمور الدنيا، وكل حكم من أحكامها، كما يدل أيضا على أن بيانه في ذلك بيان كاف لا تفريط فيه، ولذلك تكفل الله تعالى بحفظه فقال تعالى في كتابه الكريم " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " وقالوا لو كان الدين في حاجة إلى السنة لتكفل بحفظها، كما حفظ القرآن الكريم، فلم يخالطها ما خالطها، ولم يمسّها ما مسّها من إهمال، وعدم تدوين، وكتابة إلى آخر ما ذكروا، وأنه أيضا لو كانت السنة أصلا واجبة الاتباع دائما.
 
وذلك لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابتها، ولم ينه عن ذلك، ولم يأمر بمحو ما كتب منها، ولعمل الصحابة على جمعها وتدوينها، كما جمعوا القرآن الكريم ودونوه في المصاحف، ولعمل الخلفاء والأمراء على نشرها في الأقطار، إذ إن في ذلك صيانتها، ووصولها إلى المسلمين في مختلف بلادهم، وفي مستقبل أيامهم سليمة متواترة مقطوعا بصحتها، حتى لا يكون العمل بها اتباعا للظن، وقفوا لما لا يعلم، وقد قال الله تعالى " وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا " وقال تعالى " ولا تقف ما ليس به علم " وقد أقرّ النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم رواية الحديث بالمعنى، فشاعت وانتشرت، ومع الرواية بالمعنى لا يؤمن أن يقع من الراوي من غير قصد تغيير فيما سمع، بالزيادة أو بالنقص، أو بالغلط في الفهم أو بالتبديل، كما لا يؤمن أن يكون الراوي مصيبا في فهمه، واعيا لكل ما صاحب الحديث من ظروف وأحوال روعيت في شرع ما دل عليه من حكم، دون أن يكون في اللفظ ما يدل عليه، اكتفاء بدلالة الحال، فيروي الرواة الحديث مطلقا، في حين أنه صدر مقيدا بما دل عليه الحال، أو مقيدا في حين أنه قد صدر مطلقا لم يراع فيه الراوي ما صحبه من أمارات تدل على إطلاقه، وكثيرا ما تكون دلالة الحال عنصرا هاما في الدلالة والبيان، فإذا حدث شيء من ذلك وهو أمر قريب الاحتمال، لم يكن العمل بما دل عليه الحديث برواية.
 
راويه شرعا لله يجب اتباعه، وعن هذه الشبهة ذهب بعض الناس إلى عدم وجوب العمل بخبر الآحاد، أو إلى عدم حجيته، وإن القرآن الكريم قد حوى أصول الدين، وكثيرا من قواعد الأحكام العامة، وكان صريحا في دلالته على بعضها مفصلا لها، كما كان مجملا في بيان بعضها الآخر لم يفصله أو مشيرا إليه، وذلك فيما حواه من أحكامه العامة، ودل عليه بما تضمنه من أصول كلية، تاركا تفصيل ذلك وبيانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وكان ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان ذلك ملحقا بالقرآن وفي منزلته، وكان دينا لله تجب طاعته، كما تجب طاعة القرآن، وكان له ما للقرآن من وجوب العمل به، وجوبا دائما غير منقطع، ولا مُنته بزمن مهما مضت الأعوام وتغيرت الأمور والأحوال، وهل يستقيم مثل هذا القول، وقد أمر القرآن بإقامة الصلاة دون بيان لكيفيتها وأوقاتها وعدد ما فرضه الله منها، وكذلك أمر بإيتاء الزكاة دون بيان لمقدارها وبيان لما تجب فيه من الأموال وبيان لأوقاتها، وأمر بالحج ولم يبين كيفيته ولا زمنه، وهكذا مما أمر الله به، فهل يرى من يذهب هذا المذهب أن الصلاة المفروضة التي فرضها القرآن هي مطلق دعاء، أو مطلق ركوع أو سجود، وأن فعل ذلك يجزئ عما أمر به القرآن من صلاة؟ أو أن الزكاة المفروضة هي إخراج أية صدقة في أي وقت مهما وأيّا كان مقدارها ونوعها؟ وأن الحج المفروض. 
 
هو مجرد التوجه إلى البيت الحرام؟ وهل يرى ذلك وفيه هدم للدين وقواعده والخروج على ما أجمع عليه المسلمون؟ وما أحسن ما قال الشافعي رحمه الله تعالى"أمّا قولهم لو كان الدين في حاجة إلى السنة لتكفل الله بحفظها، كما تكفّل بحفظ القرآن، فيرده أن الله سبحانه وتعالى إنما تكفل بحفظ ما أنزله من الذكر والسنة، وقد صدرت من النبي صلى الله عليه وسلم بيانا للقرآن أوحى بها إليه، بدليل قوله تعالى " وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى، علمه شديد القوى " وكانت لذلك من الذكر وتابعة له محفوظة بكفالة الله سبحانه وتعالى، وكان ذلك مما دلت عليه هذه الآية، فإن المراد بالذكر فيها شرع الله ودينه، قرآنا كان أو سنة، ويدل على ذلك قوله تعالى " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون "أي اسألوا أهل العلم بشريعة الله ودينه، وقد صدق الله وعده فحفظ سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما حفظ كتابه، بما هيّأ لها ممن حفظها، وتناقلها، ودارسها، وميز صحيحها من سقيمها ودخيلها، فأصبحت بذلك مدروسة محفوظة مدونة في مصادرها، وقد نص الشافعي رحمه الله أيضا في الرسالة على أن سنة رسوله موجودة عند عامة أهل العلم، وإن كان بعضهم أجمع من بعض، فإذا جمع علمهم جميعا أتى عليها كلها، ويتبيّن مما تقدم أن ليس لنا عن السنة غناء، وأن بيانها للقرآن أمر واجب لا مندوحة عنه، استوجبته صياغة القرآن الكريم ودلالاته وطرائق بيانه، وأن القرآن قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم على أساس أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر ببيانه.
google-playkhamsatmostaqltradent
close