recent
أخبار ساخنة

نفحات إيمانية ومع المفسدين فى الأرض الجزء العاشر إعداد محمـــد الدكـــرورى/وطني نيوز


 

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء العاشر مع المفسدين فى الأرض، وإن من الفساد هو واجب مهمل أو حق مضيع، فالوجه الأول وهو يتمثل في تقصير العاملين في واجباتهم المنوطة بهم وهذا شائع وكثير، والوجه الثاني، هو هضم الحقوق وغياب العدالة الاجتماعية، فإن حلّ ظاهرة الفساد والإفساد وعلاجها لا يقتصر على فئة معينة، وإنما يشمل جميع أفراد المجتمع شبابا وأسرة ودعاة ومؤسسات وحكومة، فإذا كان الطبيب يعطى المريض جرعة متكاملة حتى يشفى من سقمه، فإن قصر فى نوع منها لا يتم شفاؤه فكذلك علاج هذه الظاهرة يكون مع تكاتف المجتمع بجميع فئاته، فكل فئة لها دور، وباكتمال الأدوار يرتفع البنيان، وقد روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه عين عمر بن الخطاب رضي الله قاضيا على المدينة، فمكث عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة كاملة لم يختصم إليه اثنان، لم يعقد جلسة قضاء واحدة، وعندها طلب من أبي بكر الصديق إعفاءه من القضاء، فقال أبو بكر لعمر، أمن مشقة القضاء تطلب الإعفاء يا عمر؟ قال عمر، لا يا خليفة رسول الله، ولكن لا حاجة لي عند قوم مؤمنين عرف كل منهم ما له من حق فلم يطلب أكثر منه، وما عليه من واجب فلم يقصر في أدائه، أحب كل منهم لأخيه ما يحب لنفسه، إذا غاب أحدهم تفقدوه، وإذا مرض عادوه، وإذا افتقر أعانوه، وإذا احتاج ساعدوه، وإذا أصيب عزوه وواسوه، دينهم النصيحة، وخلتهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ففيم يختصمون؟ فإن العامل الأكبر في بناء الحضارات وانتشار الإسلام في عصر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والسلف الصالح إنما هو مكارم الأخلاق الكريمة التي لمسها المدعون في هذا الجيل الفذ من المسلمين، سواء كانت هذه الأخلاق في مجال التجارة من البيع والشراء، مثل الصدق والأمانة، أو في مجال الحروب والمعارك، وفي عرض الإسلام عليهم وتخييرهم بين الإسلام أو الجزية أو المعركة، أو في حسن معاملة الأسرى، أو عدم قتل النساء والأطفال والشيوخ والرهبان فإن هذه الأخلاق دفعت هؤلاء الناس يفكرون في هذا الدين الجديد الذى يحمله هؤلاء، وغالبا كان ينتهي بهم المطاف إلى الدخول في هذا الدين وحب تعاليمه، ومؤاخاة المسلمين الفاتحين في الدين والعقيدة، فإن هذه الأخلاق أثارت إعجاب الباحث الفرنسي كليمان هوارت حيث يقول لم يكن محمد نبيا عاديا، بل استحق بجدارة أن يكون خاتم الأنبياء، لأنه قابل كل الصعاب التي قابلت كل الأنبياء الذين سبقوه مضاعفة من بني قومه، فإنه نبي ليس عاديا من يقسم أنه " لو سرقت فاطمة ابنته لقطع يدها "ولو أن المسلمين اتخذوا رسولهم الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، قدوة في مكارم الأخلاق لأصبح العالم مسلما، فعلينا جميعا أن نتحلى بحسن الخلق وبسط الوجه وحب الآخرين، وما أجمل قول ابن حبان عندما قال "الواجب على العاقل أن يتحبب إلى الناس بلزوم حسن الخلق.
وترك سوء الخلق، لأن الخلق الحسن يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد، وإن الخلق السيء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل، وقد تكون في الرجل أخلاق كثيرة صالحة كلها، وخلق سيئ، فيفسد الخلق السيئ الأخلاق الصالحة كلها" وإن العامل الأساسي في قيام الحضارات والفتوحات وبناء الدولة الإسلامية في العصور والقرون الأولى هو الأخلاق، يوم أن كان الفرد يحب لأخيه ما يحبه لنفسه يوم أن كان الفرد يؤثر غيره على نفسه، يوم أن كان العدل سائدا في ربوع المعمورة يوم أن كانت المساواة في كل شئون الحياة تشمل جميع الطبقات، يوم أن قدمت الكفاءات والقدرات والمواهب، وغيره الكثير والكثير، فإننا في حاجة إلى أن نقف وقفة مع أنفسنا وأولادنا وأهلينا في غرس مكارم الأخلاق والتحلي بها فنحن نحتاج إلى نولد من جديد بالأخلاق الفاضلة، نحتاج إلى نغير ما في أنفسنا من غل وحقد وكره وبخل وشح وظلم وقهر ودفن للقدرات والمواهب إلى حب وتعاون وإيثار وعدل ومساواة ورفع الكفاءات إذا كنا نريد حضارة ومجتمع وبناء دولة، فهل لذلك أذن واعية ؟ وإن من وسائل البعد عن الفساد هو وسائل اكتساب الأخلاق، فقد يقول قائل كيف أكتسب تلك الأخلاق الحسنة وأطبقها؟ فأقول بأن هناك وسائل لتحصيل حسن الخلق وهى تتمثل بالدعاء بحسن الخلق، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بذلك فكان يقول " واهدنى لأحسن الأخلاق لا يهدى لأحسنها إلا أنت، واصرف عنى سيئها لا يصرف عنى سيئها إلا أنت " رواه الترمذى.
وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ من سوء الخلق فكان يقول " اللهم إنى أعوز بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق " رواه أبو داود والنسائي، لذلك اهتم الصحابة بحسن الخلق وطلبه من الله، فعن أم الدرداء قالت بات أبو الدرداء الليله يصلى فجعل يبكى ويقول " اللهم أحسنت َخلقى فأحسن ُخلقى، حتى أصبح، فقلت يا أبا الدرداء ما كان دعاؤك منذ الليله إلا فى حسن الخلق، قال يا أم الدرداء إن العبد المسلم يحسن خلقه حتى يدخله حسن الخلق الجنه ويسوء خلقه حتى يدخله سوء خلقه النار " وأيضا من وسائل تجنب الفساد هو سلامة العقيدة فالسلوك ثمرة لما يحمله الإنسان من فكر ومعتقد، وما يدين به من دين، والانحراف في السلوك ناتج عن خلل في المعتقد، فالعقيدة هي الإيمان، وأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا فإذا صحت العقيدة حسنت الأخلاق تبعا لذلك فالعقيدة الصحيحة تحمل صاحبها على مكارم الأخلاق، كما أنها تردعه عن مساوئ الأخلاق، وكذلك المداومة على العبادة والطاعة لأن الإسلام لم يشرع العبادات بكافة صورها طقوسا ولا شعائر مجردة من المعنى والمضمون، بل إن كل عبادة تحمل في جوهرها قيمة أخلاقية مطلوب أن تنعكس على سلوك المسلم المؤدي لهذه العبادة، وأن تتضح جليا في شخصيته وتعاملاته مع الغير، ولو طوفنا حول جميع العبادات لوجدنا الهدف منها هو تهذيب الأخلاق وتزكيتها فالعبادة علاقة بينك وبين ربك.
أما السلوك فهو علاقة بينك وبين الناس، ولابد أن تنعكس العلاقة بينك وبين ربك على العلاقة بينك وبين الناس، فتحسنها وتهذبها، وكذلك علو الهمة في التحلي بالأخلاق فعلو الهمة يستلزم الجد، ونشدان المعالي، والترفع عن الدنايا ومحقرات الأمور والهمة العالية لا تزال بصاحبها تزجره عن مواقف الذل، واكتساب الرذائل، وحرمان الفضائل حتى ترفعه من أدنى دركات الحضيض إلى أعلى مقامات المجد والسؤدد، قال ابن القيم رحمه الله " فمن علت همته، وخشعت نفسه، اتصف بكل خلق جميل، ومن دنت همته، وطغت نفسه، اتصف بكل خلق رذيل" وقال رحمه الله " فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها، وأفضلها، وأحمدها عاقبة، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات، وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار، فالنفوس العلية لا ترضى بالظلم، ولا بالفواحش، ولا بالسرقة ولا بالخيانة، لأنها أكبر من ذلك وأجل، والنفوس المهينة الحقيرة الخسيسة بالضد من ذلك" فينبغي على المرء ان يوطن نفسه على معالي الأمور والأخلاق ويتنزه عن سفسافها، وأن يتخذ الناس مرآة لنفسه فكل ما كرهه، ونفر عنه من قول أو فعل أو خلق فليتجنبه، وما أحبه من ذلك واستحسنه فليفعله وصدق، ولذلك يقول لقمان الحكيم" تعلمت الحكمة من الجهلاء.
فكلما رأيت فيهم عيبا تجنبته، ولهذا كان الصحابة يسألون الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، عن الخير، وحذيفة اليمانى رضي الله عنه، يسأله عن الشر مخافة أن يدركه، وأيضا من وسائل البعد عن الفساد هو مصاحبة الأخيار وأهل الأخلاق الفاضلة، فالمرء مولع بمحاكاة من حوله، شديد التأثر بمن يصاحبه، فالجبان قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يخوض في خطر، ليحمي صديقه من نكبة، والبخيل قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يبذل جانبا من ماله لإنقاذ صديقه من شدة، فالصداقة المتينة لا تحل في نفس إلا هذبت أخلاقها الذميمة فإذا كان الأمر كذلك فما أحرى بذي اللب أن يبحث عن إخوان الثقات حتى يعينوه على كل خير، ويقصروه عن كل شر فينبغي على المرء أن يحسن اختيار الصاحب، لأنه يكون على هديه وطريقته ويتأثر به، كما قيل الصاحب ساحب، حتى لو أردت أن تعرف أخلاق شخصٍ فسأل عن أصحابه، وكذلك الاقتداء بأخلاق الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فهو القدوة والأسوة والمثل الأعلى في مكارم الأخلاق حيث شهد له ربه عز وجل بقوله فى كتابه الكريم فى سورة القلم " وإنك لعلى خلق عظيم " وكان الصحابة دائما يسألون عن أخلاقه ليمتثلوا به ويقتدوا بأخلاقه صلى الله عليه وسلم، فقد سئلت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها عن أخلاقه فقالت " كان خلقه القرآن " رواه مسلم، وﺭﻭﻱ ﺃﻥ ﺃﻋﺮﺍﺑﻴﺎ ﻗﺎﻝ للإمام ﻋلي بن أبى طالب رضي الله عنه.
"عدد ﻟﻨﺎ ﺃﺧﻼﻕ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ صلى الله عليه وسلم، ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﻋﻠﻲ رضي الله عنه، ﻫﻞ ﺗﻌﺮﻑ ﺍﻟﻌﺪ ؟ ﻗﺎﻝ ﻧﻌﻢ، ﻓﻘﺎﻝ علي رضي الله عنه "ﻋﺪ ﻟﻲ ﻣﺘﺎﻉ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ" ﻓﻘﺎﻝ ﺍﻷﻋﺮﺍﺑﻲ، ﻣﺘﺎﻉ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻻ ﻳُﻌﺪ، ﻓﻘﺎﻝ ﻋﻠﻲ رضي الله عنه" ﻋﺠﺰﺕ ﻋﻦ ﻋﺪ ﺍﻟﻘﻠﻴﻞ" ﺇﺫ ﻳﻘﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ تعالى كما جاء فى سورة النساء " قل متاع الدنيا قليل " ﻭﻃﻠﺒت مني ﻋﺪ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ، حيث ﻳﻘﻮﻝ تعالى " وإنك لعلى خلق عظيم " وأيضا من وسائل البعد عن الفساد هو النظر في سير السلف الصالح، فهم أعلام الهدي، ومصابيح الدجى، وهم الذين ورثوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هديه، وسمته وخلقه، فالنظر في سيرهم، والاطلاع على أحوالهم، وقراءة تراجمهم مما يحرك العزيمة على اكتساب المعالي ومكارم الأخلاق، ذلك أن حياة أولئك تتمثل أمام القارئ، وتوحي إليه بالاقتداء بهم، والسير على منوالهم، وهكذا فإن لحسن الخلق ثمرات وفوائد تعود على صاحبه في الدنيا والآخرة وتتمثل فى محبة الخلق فإن الفرد إذا حسنت أخلاقه أحبه الناس وأقبلوا على معاملته والزواج منه واشتهر بصدقه وأمانته وهذا الذي دفع السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها إلى اختيار الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ليتجر في مالها ثم الزواج منه لصدقه وأمانته فقد كان مشهورا بين قريش بالصادق الأمين وكل هذا قبل البعثة، وحسن الخلق قوام الحضارات، فالحضارات والأمم تبني على التعاون والتشارك والصدق والأمانة في البيع والشراء وسائر القيم والأخلاق الفاضلة أما إذا انتشر الكذب والنفاق والغش والخداع والتضليل والقهر والظلم والربا والاحتكار وانتشرت الجرائم من السرقة والزنا والقتل والتفجير والتخريب فأنى لقيام الحضارات؟ فهذه هي وسائل اكتساب الأخلاق والبعد عن الفساد فالزموها وعلموها أبناءكم وبناتكم وأهليكم، فأنتم مسئولون عنهم أمام الله يوم القيامة.
google-playkhamsatmostaqltradent
close