recent
أخبار ساخنة

نفحات إيمانية ومع الحق فى القرآن الكريم " الجزء التاسع " / وطنى نيوز

الصفحة الرئيسية

 


إعداد / محمـــد الدكـــرورى
 
ونكمل الجزء التاسع مع الحق فى القرآن الكريم، ولكن الحق لا يحق ولا يوجد في واقع الناس، والباطل لا يبطل ولا يذهب من واقع الناس إلا بالتضحية وبذل الجهد لإعلاء كلمة الله، وتحطيم سلطان الباطل حتى يعلو سلطان الحق، وذلك لا يتم إلا بأن يغلب جند الحق ويظهروا، ويهزم جند الباطل ويندحروا, فقال الله تعالى كما جاء فى سورة النساء " فليقاتل فى سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل فى سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نرتيه أجرا عظيما " فإن الحق شأنه كبير، وما تقف له أي قوة مهما كانت إلا ويدفعها لأن الله هو الحق، وهو الذى أنزل الحق، ولكن الحق لا يتحقق في عالم الواقع إلا بعد تمامه في عالم الضمير، وما يستعلى أصحاب الحق فى الظاهر إلا بعد أن يستعلوا بالحق فى الباطن، إن للحق والإيمان والتوحيد حقيقة متى تجسمت في المشاعر أخذت طريقها، فاستعلنت ليراها الناس في صورتها الواقعية، فأما إذا ظل الإيمان مظهرا لم يتجسم في القلب، وظل الحق شعارا لا ينبع من القلب، فإن الطغيان والباطل قد يغلبان، لأنهما يملكان قوة مادية حقيقة لا مقابل لها ولا كفاء في مظهر الحق والإيمان، فإذا استقرت حقيقة الحق والإيمان فى القلب أصبحتا أقوى من حقيقة القوى المادية التي يستعلي بها الباطل، ويصول بها الطغيان، وبهذا وقف الأنبياء لكل قوة غاشمة تواجههم في الأرض، فنصر الله أولياءه، وخذل أعداءه، وتحقق وعد الله لأنبيائه ورسله وأتباعهم بالنصر على أعدائهم, فقال سبحانه وتعالى كما جاء فى سورة الصافات " ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا الغالبون"
وإن للباطل صور وألوان وشُعب فمنها باطل الكبر، فالكبر عادة يحول دون قبول الحق، وأخطر ما يواجه الداعى إلى الله من صنوف الناس المتكبرون، فهم شر من يدعى إلى الحق فيأباه, ودعوتهم ومعالجة كبريائهم تكون بالقول اللين، ومن ذلك دعوة نبى الله موسى لفرعون، ودعوة نوح لقومه، ودعوة شعيب لقومه، عليهم جميعا الصلاة والسلام، ومنها باطل التقليد، وهو تقليد الأبناء للآباء، والخلف للسلف فيما يعتقدون ويعملون، فهذا التقليد من أكبر الحوائل التي تقف دون قبول المقلدين للحق ومعرفته، بل كثيرا ما يدفع المقلد إلى مناهضة الحق وأهله، ومنها باطل الحسد، فالحسد من الصوارف عن الحق، وهو أخطر من الكبر والتقليد، لأن الحاسد يحمله الحسد على الكيد للداعي والمكر به، وقد حسد اليهود النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم لأنه من أولاد إسماعيل، وناصبوه العداوة، وحاولوا قتله، وسموه وسحروه، وحاربوه وألبوا عليه القبائل، فقال سبحانه وتعالى كما جاء فى سورة البقرة " ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتى الله بأمره إن الله على كل شئ قدير" ومنها أهل المنافع والمصالح، فكل واحد من هؤلاء المستفيدين لا يرضى بتغيير وضعه حفاظا على الذي يحصل له منه من الكسب المحرم, لذا ينبغي في دعوتهم الانتباه إلى وعدهم بالخير، وبشارتهم بحال أحسن، وأن يقدم لهم من النفع والخير ما يعوضهم عما فاتهم، وإن منطق الباطل هو الطغيان الغليظ كلما أعوزته الحجة، وخذله البرهان.
وخاف أن يستعلي الحق بما فيه من قوة وفصاحة، وهو يخاطب الفطرة فتصغي له وتستجيب، كما آمن السحرة الذين جاء بهم فرعون ليغلبوا نبى الله موسى صلى الله عليه وسلم ومن معه، فانقلبوا أول المؤمنين بالحق في مواجهة فرعون الجبار، فما موقف فرعون وملئه من الحق الذي جاء به نبى الله موسى عليه السلام فقال الله تعالى كما جاء فى سورة غافر " فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا فى ضلال، وقال فرعون ذرونى أقتل موسى وليدع ربه إنى أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر فى الأرض الفساد " وهكذا قال فرعون الطاغية الوثنى الضال عن النبى المصطفى المؤمن الهادى، وهي الكلمة التي يقولها كل طاغية مفسد عن كل داعية مصلح, إنها كلمة الباطل الطالح في وجه الحق الجميل، وكلمة الخداع الخبيث لإثارة الخواطر في وجه أهل الإيمان والهدى، وهي تتكرر كلما التقى الحق والباطل، والإيمان والكفر، والصلاح والطغيان، في كل زمان، وفي كل مكان، ويصور لنا الله تعالى هذا المشهد فيقول كما جاء فى سورة غافر " إنى أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر فى الأرض الفساد" فما أظلم هؤلاء الطغاة؟ وما أجهلهم بالحق؟ وما أضرهم على أنفسهم وعلى من تحت أيديهم؟ فلماذا قَتل الدعاة المصلحين بغير حق؟ ولماذا ترويعهم ومطاردتهم؟ ويقول الله تعالى كما جاء فى سورة غافر " أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذى يعدكم إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب"
ومما سبق يتبين أن أكثر الناس للحق كارهون لأنه يسلبهم القيم الباطلة التي بها يعيشون، ويصدم أهواءهم المتأصلة التي بها يعتزون، والحق لا يمكن أن يدور مع الهوى، وبالحق قامت السموات والأرض، فالحق واحد ثابت، والأهواء كثيرة متقلبة, وبالحق الواحد يدبر الله الكون كله فلا ينحرف ناموسه لهوى عارض، ولا تتخلف سنته لرغبة طارئة, ولو خضع الكون للأهواء العارضة والرغبات الطارئة لفسد كله، ولفسد الناس معه، ولفسدت القيم والأوضاع، واختلت الموازين وتأرجحت كلها بين الغضب والرضا، والكره والحب، والرغبة والرهبة، وسائر ما يعرض من الأهواء بالانفعالات, فقال تعالى كما جاء فى سورة المؤمنون " ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن بل آتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون" ولقد عاش الناس قبل شروق شمس الرسالة المحمدية فترة من الزمن فى دياجي حالكة، وسلكوا مسالك للحق غير سالكة، فعبدوا الشجر والحجر، والصنم والبشر، والنجوم والنار والهوى، فمقتهم الله جميعا عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب الباقين على الحق، ومع هذا الانحدار الروحي كانوا يعيشون حياة سياسية ذليلة مضطربة، وحياة اقتصادية منهارة، وحياة اجتماعية متفككة، حتى أذن الله ببزوغ الحق من غار حراء فبعث الله رسوله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة، مِنة عظيمة، وعطية كريمة من المنان الكريم، فأرسل الله تعالى رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بدين الإسلام لينقذ البشرية من دياجير الخرافة إلى نور الحقيقة.
ومن ضيق الذل إلى سعة العز، ومن أوحال الخطيئة إلى سماء الفضيلة، ومن ذيول التبعية، إلى هام القيادة، ومن ظلام الجهل إلى صفاء المعرفة والعلم، عند ذلك أصبح الإنسان يعرف معبوده الحق سبحانه وتعالى، ويعرف نفسه، ويدري كيف يعيش، ولماذا يعيش، وإلى أين يصير، بعد أن كان حاله كما قال ذلك التائه في متاهات ضلاله، جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت، ولقد أبصرت قدامى طريقا فمشيت، وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت، كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقى؟ لستُ أدرى؟ إن هذا الدين نعمة الله العظمى على عباده الذي ارتضاه لهم وأكمله وأتمه، فهو دين كامل لحياة كاملة، يلبي جميع حاجات البشرية الروحية والمادية، ويصلح حياة الناس الدينية والدنيوية، وينظم شؤون الدولة والمجتمع، فنُظم الحياة التعبدية والسياسية والاقتصادية والقضائية والعسكرية والاجتماعية وغيرها تضمنها وضبطها ونظمها بنظام دقيق، فليس هناك دين يشجع على المعرفة النافعة و يوائم بين العقل والعلم إلا الإسلام، والاكتشافات الطبية والعلمية برهان على هذا، وهو دين يتسم بالديمومة والبقاء والاستمرار والنماء، لا يغيره تغير الزمان والمكان والأجيال والأحداث لأنه التشريع الذى كتب الله له الأبدية إلى قيام الساعة، وأبّده العليم القدير، الحكيم الخبير، وهو دين سهل ميسر لا حرج فيه ولا مشقة ولا آصار فيه ولا أغلال، ولا تضييق ولا إكراه، وهو وسط بين الإفراط والتفريط، يعطي الروح حظها كما يعطي البدن حقه، وإذا اهتم بالجماعة فإنه لم ينس الفرد، فأعطى كل ذي حق حقه، فصارت الأمة به أمةَ الوسط بين الأمم.
كما صار هو الوسط بين الأديان، وهو دين السلام والأمن العام، ونشر السكينة والاستقرار، وإزالة الخوف والاضطراب، والفساد والظلم، فلذلك جاء ليحافظ على الضروريات الخمس التي فيها أعلى مصالح البشرية، وبانتهاكها ذهاب الحياة كلها، وهي الدين والنفس والمال والعرض والعقل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" وبعد حفاظه على الضروريات وسّع عليهم في الحاجيات التي هي مشهد من مشاهد اليسر والسعة كالرخص في السفر وغير ذلك، وحقق لهم بعد هذا تمام النعمة بإباحة الأمور التحسينية المشروعة والتي بها صلاح الحياة السعيدة، والاستمتاع بفضل الله على عباده، وإن المتتبع يجد أن ما حرم الله على عباده، مما لهم فيه مصلحة عاجلة أو آجلة، يجده قليلا بجانب ما أباح لهم تصريحا أو بالبقاء على البراءة الأصلية، إذ الأصل في الأشياء الإباحة، فإن ديننا الحنيف دين واقعى متسق المبادئ والتشريعات لا يعروه تناقض ولا اختلاف ولا تعارض وعدم ائتلاف لأنه من عند الله، وإن الإسلام يا أهل الإسلام هو دين لكل البشر فلا تفريق فيه بين الأجناس والألوان، ولا بين اللغات والبلدان، لا قومية لا طبقية لا عنصرية، لا تفاضل إلا بالعلم والتقوى، فقد خطب رسول الله صلى الله عليه و سلم في وسط أيام التشريق فقال " يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى" وهكذا فإن ديننا الإسلامي العظيم دين كتب الله له الخلود حتى يذهب زمان الحياة الدنيا.
فليس هناك خطر على الإسلام مهما تكالب عليه الأعداء، وحاكوا له المؤامرات، وبذلوا الجهود المختلفة من أجل إطفاء نوره، ولقد حورب الإسلام منذ بزوغه إلى يومنا هذا حروبا عدة ظاهرا وباطنا، حورب فكريا وسياسيا واقتصاديا وعسكريا، فحاربته قريش واليهود، والمشركون من خارج مكة، وحاربه المجوس والرومان، والهندوس والصليبيون، والتتار والمغول والبربر، وحاربه الاستعمار الحديث تحت مسميات عدة، وأساليب شتى، ومع هذه الحرب الضروس الممتدة لم يزدد الإسلام إلا لمعانا وتوهجا، وثباتا، ورسوخا، وانتشارا وامتدادا، إنه كشجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر الا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر" وإن الحروب المعاصرة ضد الإسلام صنعت للإسلام دعاية إعلامية واسعة النطاق في أرجاء العالم، ومع التطور الإعلامى الحديث بدأ من لا يعرف الإسلام حينما يتابع مجريات الأحداث الدولية الساخنة وهو يرى الغرب وحلفاءه يحاربون الإسلام والمسلمين، بدأ يقرأ عن الإسلام ويهتم بالبحث عنه، وهذا أدى إلى قلق المحاربين للإسلام لأن الناس عرفوا الإسلام وأنه هو الحق الذى غاب بل وغيّب عنهم كثيرا، وإن وصل إليهم شيء عنه فى صورة مشوهة، فالإسلام شرع يتغلغل في أعماق دول الكفر، ويسيح فيها سيحان النهر الجارى الذى لا يصده شيء، ويسرع إسراع الغيث استدبرته الريح.
google-playkhamsatmostaqltradent
close