recent
أخبار ساخنة

نفحات إيمانية ومع طالوت وجالوت " الجزء الرابع " / وطنى نيوز

الصفحة الرئيسية


 


إعداد / محمـــد الدكـــرورى
 
ونكمل الجزء الرابع مع قصة طالوت وجالوت، وإن ملخص قصه طالوت وجالوت هي أن الله تعالى غضب علي بني إسرائيل لفسادهم ومعصيتهم لله عز وجل وفقدهم التابوت فسلط الله عليهم ملك ظالم وهو جالوت الذي أسر رجالهم وأبنائهم وأخذ ديارهم وأموالهم وأصبح اليهود بدون ملك عليهم والضعف أصابهم حتى طلبوا من نبيهم صمويل أن يدعو الله ويسأله أن يبعث فيهم ملكاَ يجمع شملهم ويصلح أمرهم ويقودهم إلى القتال لاسترداد ما فقدوه، وبعد أيام جاء صمويل وأبلغهم بأن الله تعالى قد بعث لهم طالوت ملكا عليهم وهو رجل فقير من سبط بنيامين بن يعقوب عليهما السلام وليس من سبط يهوذا الذين أنحصر فيهم الملك قبل ذلك، ولم يرضي اليهود في بادئ الأمر بطالوت ملكا عليهم لأنه كان فقيرا ومن سبط بنيامين وقالوا لصمويل أن يأتيهم بمعجزه أو دليل على أن الله قد اختار هذا الرجل ليكون ملكا عليهم فاخبرهم صمويل أن الدليل على ذلك انه سيرد لهم التابوب كما هو فيه سكينة من الله تحمله إليهم الملائكة وتحقق المعجزة وألتابوت هو ألميثاق ألذ كان فيه وهو ألبقيه مما ترك آل موسى وهارون عليهما السلام ما يعظم أمره ويشرف قدره ويظهر ألبركه وكان ضياع هذا ألتابوت سبب تخلفهم وإنكسارهم، ولهذا وافق اليهود بطالوت ملكا عليهم لكونه وعد بإعادة ألتابوت من أعدائهم، وعندما أراد طالوت أن يخرج لقتال جالوت الملك الظالم لاحظ أن معظم اليهود لا يريدوا الخروج معه للقتال, فخرج طالوت وجنوده الذين رضوا بالقتال معه علي الرغم من أن فيهم من هم ضعاف النفوس.
وساروا في الجبل حتى عطشوا عطشا شديدا فأوحى الله إلى صمويل ما يختبر به هؤلاء حتى يختار منهم من يقاتل معه من المؤمنين أقوياء النفوس فقال لهم انهم سيصلوا إلى نهر عذب سائغ فمن شرب منه غرفه واحدة أو لا يشرب منه فهو من هؤلاء الذين سيقاتلوا معه ومن شرب من اكثر من غرفة فهو ضعيف النفس لا يصلح أن يقاتل معه وفعلا استبعد طالوت الذين شربوا من النهر لعدم إطاعتهم أوامره، وعبر طالوت النهر ومعه أقوياء النفوس المؤمنين وكانوا حوالي ثلاثمائة بينما كان جيش جالوت حوالي سبعين ألفا، وكان من جنود طالوت نبى الله داود عليه السلام الذي بارز جالوت فقتله بحجره ضخمه في رأسه جعلته يترنح وقد كان ضخم ألجثه فباغته داود برمحه وسيفه حتى صرعه وأنهزم جنوده ونصر الله المؤمنين، وبعد موت النبي صمويل والملك طالوت ورث نبى الله داود عليه السلام النبوة والملك وكانت أيامه علي بني إسرائيل أيام خير وبركة خلصوا أبنائهم من الأسر واستردوا أوطانهم من العدو وعاشوا في قوة وعدالة وانتصار، وإن التابوت كان نعمة من نعم الله على بني إسرائيل حيث كان لهذا التابوت عندهم شأن عظيم، ونبأ ظريف، كانوا إذا اشتبكوا مع أعدائهم في قتال أو التقوا بهم في ساحة نزال، يحملونه بين أيديهم ويقدمونه في صفوفهم، فينشر في قلوبهم سكينة واطمئنانا، ويبعث في أعدائهم هلعا ورعبا لسر عجيب فيه ومزايا خصه الله بها، ولكنهم لما انحرفوا عن شريعتهم وغيروا ما بأنفسهم سلط الله عليهم أهل فلسطين، فغلبوهم على أمرهم، وأخرجوهم من ديارهم.
وحالوا بينهم وبين أبنائهم، وأخيرا أخذوا التابوت منهم، فانفصمت عروتهم، وتصدعت وحدتهم، ثم استكانوا إلى ذل وهوان، وظلوا على ذلك حقبة من الدهر، حتى كان نبيهم صمويل، ففزع إليه نفر منهم أرادوا أن يتجافوا بأنفسهم عن مطارح الهوان، وينزعوا بها من معرة الامتهان، وطلبوا إليه أن يختار لهم ملكا يأتلفون حول رايته، ويجمعون أمرهم تحت زعامته، لعلهم به يغلبون العدو، ويكتب الله لهم النصر، فقال لهم وهو يعرف الضعف فيهم إني أتوقع تخاذلكم إذا كتب عليكم القتال، قالوا كيف نتخاذل وقد أخرجنا من ديارنا وحيل بيننا وبين أبنائنا؟ وأي حال أسوأ مما نحن فيه؟ وأي ذل أشد مما ابتلينا به؟ قال صمويل لهم دعوني أستخير الله تعالى في أمركم، وأستوحيه في شأنكم، فلما استخار الله عز وجل أوحي إليه أني قد اخترت عليهم طالوت ملكا، قال صمويل يا رب إن طالوت رجل لم أعرفه بعد، ولم أره من قبل، فأوحى إليه إني مرسله إليك وسوف لا ترى عسرا في لقائه، ولا جهدا في تعرف ملامحه، فأعطه الملك، وسلمه راية الجهاد، وكان طالوت رجلا طويلا فارعا، قوي الجسم ذكيا، ولكنه لم يكن معروف أو مذكور، فكان يقيم مع أبيه في قرية من قرى الوادي، يرعى له الماشية، ويفلح الأرض، ويصلح الزرع، وفيما هو في شأنه في الحقل مع أبيه ضلت منه الأتان وهى أنثى الحمار، فخرج مع غلامه ينشدانها في شعاب الوادي، وبحثا عنها أياما حتى تعبا، فقال طالوت لغلامه هيا بنا نعود أدراجنا، فإني أعتقد أن القلق استولى على أبي، وأخشى أن يهمل الأتان فيخرج للبحث عنا.
قال الغلام إنا الآن قد وصلنا إلى أرض صوف موطن النبى صمويل، وهو فيما قيل عنه أنه نبي يأتيه الوحي وتهبط عليه الملائكة، هلم إليه نستوضحه بشأن الأتان لعلنا نستضي برأيه، أو نهتدي بوحيه، فارتاح طالوت لهذا الرأي، وتجدد لديه الأمل بأن يجد الأتان، ولقيا في طريقهما إلى صمويل فتيات خرجن يستقين الماء، فطلبا إليهن أن يرشدهما إلى نبي الله صمويل، فقلن لهما إن الشعب ينتظره فوق هذا الجبل، وهو يوشك الآن يجيء، وبينما هما في الحديث معهن إذ طلع صمويل يفوح منه رائحة النوبة، وتحدث ملامح وجهه عن نبي كريم ورسول أمين، والتقت عينا طالوت بصمويل فتعارفت أرواحهما، واتصلت نفوسهما، ووقع في قلب صمويل أن هذا طالوت الذي أوحى الله تعالى إليه بتمليكه، وأعلمه بأنه يحمل أعباء الزعامة والسلطان، فقال طالوت إنني طلبتك يا نبي الله مستوضحا مسترشدا، إن لأبي أتنًا ضلت في شعاب هذا الوادي، وقد خرجت في إثرها مع هذا الغلام نتعرف الطريق ونقفو الأثر، فما ظفرنا بعد ثلاث إلا بخيبة، وما عندنا إلا بكواذب الآمال، وقد جئناك لعل فيضا من علمك يهديننا إليها أو يدلنا عليها، فقال نبى الله صمويل أما الأتان فهي في طريقها إلى أبيك، فلا تربط قلبك بها، ولا تعلق جبال ذهنك فيها، ولكني أدعوك لأمر أجل خطرا وأعظم قدرا، إن الله قد اختارك على بني إسرائيل ملكا، تجمع كلمتهم، وتحزم أمورهم، وتخلصهم من أعدائهم، وسيكتب الله لك إن شاء الله النصر، ولأعدائك الكبت والخذلان، قال له طالوت ما أنا والملك والرياسة والزعامة والسلطان؟
أنا من أبناء بنيامين آخر الأسباط ذكرا، وأقلهم مالا، فلكيف أصبر إلى الملك أو أمسك بحبال السلطان؟ فقال نبى الله صمويل له هذه إرادة الله ووحيه وأمره وكلمته، فاشكر له هذه النعمة، واجمع رأيك على الجهاد، وأمسك بيد طالوت وقف به على القوم، يقول إن الله قد بعث لكم طالوت هذا ملكا له حق الرياسة والسلطان، وعليكم الطاعة والإذعان، فأجمعوا أموركم، واستعدوا للقاء عدوكم، فذهلوا لذلك لقلة ماله وسوء الحال، وأنه ليس له ذكر، فزموا بأنوفهم وقالوا كيف يكون له الملك علينا؟ فلا نسبه عريق، ثم كيف تولى علينا رجل فقير ونحن لدينا ثروة وجاه وسطوة؟ وما يجدي النسب لمن لا يعرف من تصريف الأمور شيئا؟ وما يغني المال من لا يفهم في سياسة الجيوش حولا ولا طولا؟ ولكن هذا طالوت فضله الله عليكم لما فيه من الكفاية والقدرة، وأنتم ترونه رجلا بسط الله في جسمه وزاده عقلا حكيما، بصير بالحروب، خبير بمواطن الكفاح، وفوق هذا وذاك فهذا اختيار الله له، والله يؤتي ملكه من يشاء، وما كان يليق بكم، وقد اختار لكم أن تكون لكم الخيرة من أمركم أو النفرة من جانبكم، عند ذلك قالوا أما إذا قضى الله بشيء أو صدر عنه أمر أو نهي فلا معقب لحكمه، ولا معدل عن أمره، ولكن هات لنا آية نعرف بها أمره ونعلم قضاءه، فقال صمويل إن الله قد علم لجاجكم وعنادكم، فجعل لكم علامة وآية أن تخرجوا إلى ظاهر المدينة، فتروا التابوت الذي ذللتم بعد ذهابه، ولقيتم الخسف والهوان بعد ضياعه، قادما إليكم وفيه سكينة لكم تحمله الملائكة، وفي ذلك آية لكم إن كنتم مؤمنين.
وخرجوا كما واعدهم فوجدوا التابوت، ونزلت عليهم السكينة، وصحت عندهم العلامة، فبايعوا طالوت وأقروا له بالملك والسلطان، واضطلع طالوت بالملك، وأحسن قيادة الجنود، وأظهر حزما وعزما وفطنة وذكاء، قال يا قوم لا ينتظمن جيشي إلا من كان خاليا من الهواجس، فارغا من الصوارف، فلا يدخل من كان قد شرع في بناء لم يتمه، أو خطب عروسا ولم يبنِ بها أي لم يدخل بها، أو له تجارة وعقله مشغول بها، فلما تم له ما أراد وكون جيشا متلاحما أراد أن يتحوط لنفسه بعدما بدا له منهم الشك في أمره والجدل حول تمليكه، فأراد أن يختبرهم مخافة أن يخذلوه ساعة اشتباك القنا أي الرماح في الحرب، أو يفروا حين الزحف وتقابل الأقران، فقال إنكم ستلقون نهرا، فمن كان صابرا محتسب فلا ينهل إلا بمقدار ما يبرد كبده، ويبل ريقه، وأما من خالف أمري فليس مني ولا تسكن إليه نفسي، فوقع ما خافه طالوت، فقد شربوا منه إلا قليلا منهم، هم الصابرون المؤمنون المخلصون المجاهدون، وأصبح الجيش أوزاعا أي فرقا، من ضعفاء العزيمة وخائريها، ومن صادقي النية وكاذبيها، ولكنه صابر المترددين وخرج بالجميع للقاء العدو مجاهدا في سبيل الله، ولما خرجوا لقتال عدوهم فإذا هم رجال أشداء جاؤوا لخوض الحرب وغمراتها، ويفوقونهم عدة مرات، يقودهم جالوت شُجاعهم يصول بينهم، فانقسم أصحاب طالوت إلى شعبتين، شعبة منهم خار عودهم وانخلع فؤادهم وتخاذلت قوتهم وقالوا كما جاء فى سورة البقرة " لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده" وشعبة منهم ظلت صابرة صامدة، وهم الذين عمر قلوبهم الإيمان.
وقالوا لطالوت امضِ لشأنك، واستعدوا للموت، ولم تزعجهم كثرة أعدائهم وقالوا كما جاء فى سورة البقرة " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين" وعندما خرج طالوت بجنوده وزادهم الإيمان وتوجهوا إلى الله تعالى طالبين منه النصر والعزة والتمكين، وأنه لما التقى الجمعان، وحمي وطيس القتال، واشتدت الحرب، برز جالوت يدعو للمناجزة والمبارزة، فخاف الباقون بطشه، وهابوا صولته، وكان في جيش طالوت داود عليه السلام الذي كان أبوه يقيم في بيت لحم وكان شيخا كبير السن وله أبناء، فلما وقعت الحرب واستنفر طالوت بني إسرائيل للجهاد، وانتخب ذلك الرجل من كبار أبنائه، ثم قال لأصغر أبنائه لا تقرب ساحة الحرب، فلست من رجالها وفتيانها، وكان ذلك الغلام هو داود عليه السلام، وكان مع حداثة سنه وضيء الطلعة، أبلج الغرة، متسعر الذكاء، له قلب متوقد بين الجوانح، سار مع إخوته إلى ساحة القتال، حتى وجد رجلا راعه أنه عملاق طاغية يتحدى، ولكن الشجعان تخشاه، فسأل عنه فقيل له هذا جالوت رئيس الأعداء وزعيمهم، وما برز إليه شخص إلا ردّه جريحا، وقد جعل طالوت جزاء لمن يقتله ويقي المؤمنين كيده وشره أن يزوجه إحدى بناته ويوليه الملك من بعده، فثارت الحفيظة في نفس داود، وهاجت الحمية في قلبه، فذهب إلى طالوت وطلب منه الإذن في منازلة جالوت، لعل مصرعه يكون بيديه، فاستصغر طالوت شأنه، وخاف عليه وطلب إليه أن يترك الأمر لمن عساه أن يكون أكبر سنا وأقوى جسما وأمضى عزما وأجمع قلبا.
google-playkhamsatmostaqltradent
close