recent
أخبار ساخنة

نفحات إيمانية ومع الحق فى القرآن الكريم " الجزء الثالث عشر "

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثالث عشر مع الحق فى القرآن الكريم، ولقد تعددت مصادر الكلام سواء كان شفهيا أو مكتوبا، وصار كثير من الناس يتلقفون الكلام سواء كان حقا أو باطلا دون روية أو تمحيص، فيصدّق الكلام من يصدقه، وينقله من ينقله، ويكذبه من يكذبه، وإن الكلام كثير متنوع، منه ما هو حق ومنه ما هو باطل، فالبرهان ثم البرهان ثم البرهان وإلا لا قيمة للكلام، وإن البرهان أو الدليل إما أن يكون نقليا من كتاب أو سنة صحيحة أو إجماع، أو أن يكون عقليا، والواجب في النقلي التأكد من صحة النقل، وفي العقلي إظهار صراحته وبيان حجته، فيقول الله سبحانه وتعالى كما جاء فى سورة البقرة " قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" فهذا عام فى كل دعوى، لا بد من تصديقها بدليل، ومن هنا قال علماء أدب البحث والمناظرة "إن كنت ناقلا فالصحة، أو مدعيا فالدليل" تأكد من صحة نقلك، وإن كان الكلام كلامك فأتى بدليل صحيح معتبر على ذلك الكلام ولهذا تجدون أهل البدع ليس عندهم حجة دامغة، ولا دليل معتبر، ومن ثم يستدل أحدهم على بدعته أمام عوام الناس بنقل ضعيف أو موضوع مكذوب، أو دلالة ضعيفة واهية، أو بعقل فاسد، وفى طبيعة البرهان الصحيح هو أن الأولى أن يكون موافقا للنصوص لفظا ومعنى، فمتابعة الكتاب والسنة في المعنى أكمل وأتم من متابعتها في المعنى دون اللفظ، فالرسول صلى الله عليه وسلم علم البراء بن عازب كلمات يقولهن إذا أخذ مضجعه وفيها "وآمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت" قال البراء "فرددتهن لأستذكرهن فقلت "

آمنت برسولك الذى أرسلت" قال النبى صلى الله عليه وسلم " قل آمنت بنبيك الذي أرسلت" أى قل ما سمعته منى يا براء تحقيقا لكمال المطابقة في اللفظ والمعنى، لهذا منع جمع من العلماء نقل حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بالمعنى، ومن أجازه منهم اشترط أن يكون الناقل عاقلا، عالما بما يحيل المعنى من اللفظ، مدركا لأساليب العرب، حتى يستبين له الفرق قبل أن يتكلم، وهذا المنهج يمكن أن يطبق حتى في الحياة العادية دون إفراط ولا تفريط، فمثلا المسارعة إلى نقل المعلومة بمجرد ورودها في برامج التواصل الاجتماعى مثل برنامج واتس أب مثلا وما شابهه ليس من الأمانة فى شيء حتى لو كتبت كلمة منقول، فهذا لا يعفيك من المسؤولية، ولا يبرر سرعتك فى النقل قبل التثبت، ومما هو أعظم كون النقل متعرضا لحديث النبى صلى الله عليه وسلم، فيبادر دون تحقق، وربما كان من الأحاديث الموضوعة والضعيفة، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" رواه مسلم، ومن حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال صلى الله عليه وسلم "اتقوا الحديث عنى إلا ما علمتم، فمن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" رواه الترمذى، بل إن أنس بن مالك الصحابي القريب من النبى صلى الله عليه وسلم كان لا يكثر الحديث عنه خوفا من الوقوع فى الكذب عليه، فالحق يعرف بالدليل بأن يكون الحديث مخرجا منسوبا إلى كتاب معتبر، وان يكون الناقل ثقة لا يعرف عنه التهور في النقل، وعلى كل حال، يمكن للناقل قبل أن ينقل. 

أن يتثبت من الحق بسؤال من يتوسم فيه المعرفة، فقد قال الله تعالى كما جاء فى سورة النحل " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" ويمكن أن يقال ذلك بالنسبة لأى معلومة لا يعرف صدقها فإن من أدوات معرفة الحق القراءة المتأنية، والاطلاع الغزير، ولقد قال الله سبحانه وتعالى " قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون" فالعلم ثراء وعز، وهو وقاية وحماية من خديعة الباطل، فزيدوا في اكتساب العلم من كل فن، كل بقدر استطاعته، وعن يزيد بن عميرة قال "كان معاذ بن جبل لا يجلس مجلسا للذكر حين يجلس إلا قال الله حكم قسط، هلك المرتابون، فقال معاذ بن جبل يوما إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول ما للناس لا يتبعونى وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعى حتى أبتدع لهم غيره فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيغة الحكيم فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، قال قلت لمعاذ ما يدريني رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال بلى، اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات عندما يقول الحكيم العجائب والغرائب فيقول الناس ما هذا الذي جاء به؟ التى يقال لها ما هذه؟ ولا يثنينك ذلك عنه فإنه لعله أن يراجع وتلقى الحق إذا سمعته فإن على الحق نورا" رواه أبو داود، إذن في هذا الأثر دلالة على أن الحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق، فإن على الحق نورا، ولا يمكن معرفة الحق. 

إلا بالوسائل التي ذكرناها، وقد قال معاذ بن جبل رضي الله عنه "وإن على الحق نورا" هذا النور لا يمكن رؤيته إلا بعد التجرد لله تعالى دون مخالطة حظ أو هوى، القلب إذا تجرد لله تعالى وأخلص لله في العبادة وقصد معرفة الحق بصدق فسوف يريه الله ذلك النور الذى يعلو الحق، وإن لله تعالى سننا فى خلقه لا بد أن تجرى وتتم، ومن تلك السنن الثابتة التي لا تتبدل سنة الصراع بين الحق والباطل؛ فالباطل لا يحب أن يترك الحق فى أمان حتى يكون معه على باطله، فقال الله تعالى كما جاء فى سورة البقرة " ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا" ولا يمكن أن يرضى الباطل عن الحق حتى يلحق بسوئه، فمن قبل دعوة الباطل من أهل الحق فإنها الخسارة والخزى، إن الحق هو الإسلام والطاعة والسنة والخير، وأهله هم الأنبياء والرسل وأتباعهم المقتدون بهم، والباطل هو الكفر والمعصية والبدعة والشر، وأهله هم إبليس وأتباعه وجنده من الكفرة والفسقة والعصاة والمبتدعة، وأصحاب الشبهات والشهوات، وإن تاريخ الصراع بين الحق والباطل تاريخ طويل قد بدأ في السماء قبل الهبوط إلى الأرض، فقد خلق الله سبحانه وتعالى آدم عليه السلام بيده، وأمر الملائكة بالسجود له، وكان من ضمن الحاضرين إبليس فأبى السجود لآدم حسدا وبغيا، فصدر الحكم الإلهي بالطرد من رحمة الله تعالى للشيطان، فابتدأت المعركة والصراع، فأمر الله تعالى آدم عليه السلام بالعيش في الجنة وأن لا يأكل من شجرة معينة، وبدافع العداوة وسوس الشيطان لآدم أن يأكل من تلك الشجرة .

فأكل منها ناسيا نهى ربه فعاتبه ربه فاستغفر وأناب فغفر له، فجاء بعد ذلك الأمر بالهبوط إلى الأرض لتبدأ المعركة الطويلة بين الحق والباطل، فإن الحق وأهله يحبون أن يعيش الناس فى أمان وسلام مبنيين على الاستسلام لشرع الله ودينه، لكن أهل الباطل لا يريدون لهم ذلك ولهذا شبوا نار العداوة والحرب للحق وأهله لعدة أسباب، أولاها الحسد، ويذكر أن الأخنس بن شريق قال لأبى جهل "ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال ماذا سمعت تنازعنا نحن وبنو عبد مناف في الشرف، أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسى رهان قالوا منا نبى يأتيه الوحى من السماء فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه" وإن ثانيها العصبية للدين الباطل أو للجنس أو للعرق، وإن ثالثها هو الخوف على ذهاب الجاه والمنصب الحاصلين في ظل الباطل، فعن سعد قال كنا مع النبى صلى الله عليه وسلم ستة نفر فقال المشركون للنبى صلى الله عليه وسلم "اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه فأنزل الله عز وجل كما جاؤ فى سورة الأنعام " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين" وإن رابعها أيضا هو التقليد للآباء والقادة، وهكذا فإن أهل الباطل يواجهون أهل الحق في معركة الصراع المحتدم مواجهة شرسة مستخدمين في ذلك. 

وسائل متعددة، لعلهم أن يضيفوا أهل الحق إلى صفهم، أو أن يتخلصوا منهم إذا لم يستجيبوا لدعوتهم، ولذلك نجدهم يستخدمون في البداية الإغراء والترغيب، فقد عرضت قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجاه والمال والزواج والطب فأبى ذلك كله، ثم يترقون بعد ذلك إلى الحرب الاقتصادية وتجفيف منابع المال والفصل من الوظائف، ثم الحرب الاجتماعية المتمثلة بالتشويه وبث الدعايات الكاذبة والسخرية والتحقير، من أجل صد أهل الحق عنه وتحذير الناس من اتباعهم وتكثير سوادهم، ثم يترقون بعد ذلك إلى التهديد، ثم يترقون بعد ذلك إلى النفي والإبعاد، ثم يترقون بعد ذلك إلى القتل والتصفيةن كما حصل لبعض أنبياء بني إسرائيل، ولغيرهم من أهل الحق فى كل زمان ومكان، وإن أساليب الماضى هى أساليب الحاضر مع التحديث والترقية، فإن الباطل لن يكف عن مواصلة المعركة ومعادة الحق وأهله، فما موقف أهل الحق في تجاه هذه الحرب الشعواء المستمرة؟ وقبل ذكر هذا الموقف لابد أن نعترف بكل أسى بحقيقتين مُرّتين، الأولى هي أن أهل الباطل أشد حرصا على باطلهم، والدفاع عنه، والتضحية من أجله، وتسخير جميع الجهود في نشره وتقوية عوده من كثير من أهل الحق في كل المجالات المتاحة لهم، وهناك فتور وتقاعس عند كثير من أهل الحق تجاه الحق الذي يحملونه، فأين الجد والعمل؟ وأين التضحية والبذل؟ وأما الثانية فهى أن كثيرا من أهل الحق فرقتهم الحزبيات والانتماءات الضيقة التي جعلتهم يدورون في فلكها ويظنون أنها هى الحق وحدها وتركوا جوانب الحق الأخرى. 

بل تعدى الأمر إلى الصراع والقضاء على أعمال الآخرين العاملين في حقل الحق، ففي الوقت الذي يجتمع فيه أهل الباطل على اختلاف مشاربهم الدينية والفكرية نجد أن أهل الحق يصارع بعضهم بعضا، ومع ذلك لابد من عمل يشترك فيه جميع أهل الحق على اختلاف توجهاتهم، لكي تتحد الجهود في مواجهة الباطل وأهله، فمن ذلك هو التحرك بالعمل الجاد النافع من أجل نصرة الحق فى كل ظرف ووسيلة ممكنة، وعدم ترك الميدان للباطل وأهله، ومن ذلك أيضا هو ترك الغفلة عن أهل الباطل، والفقه بواقع العدو، ومعرفة تخطيطه وتدبيره، لكي تقدر المواجهة على حسب ذلك، فالصراع بين الحق والباطل حقيقة ماثلة للعيان عبر العصور، وفى عصرنا الحاضر شاعت مقولة بأن عصر الأديان قد ولى، وأن الصراعات القائمة ستكون على ا لماديات والمصالح، فكل ما في الدنيا من أقوال وأعمال وآراء وسلوك، فهو متردد بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والخطأ والصواب، لا يمكن أن يخرج شيء في الدنيا عن هذه الأمور، إما أن يكون حقا أو أن يكون باطلا، أو هدى أو ضلالا أو خطأ أو صوابا، ولا يمكن أن تخلو الدنيا أيضا من هذا أو ذاك فإننا نعلم أن قوام حياة الناس مبنى على مواقف وتصرفات وسلوك وأقوال ومذاهب، وأنه لا بد للبشرية أفرادا وجماعات من مذاهب يعتنقوها، وأشياء يتدينون بها، وأمورا يلتزمونها، وهذه الأشياء منها ما يكون حقا ومنها ما يكون باطلا، إذن إما هذا وإما ذاك، إما قوام حياة الناس مبنى على مواقف وتصرفات وسلوك وأقوال ومذاهب وأنه لا بد للبشرية أفرادا وجماعات من عبادة الله.
google-playkhamsatmostaqltradent
close