recent
أخبار ساخنة

يوم أن أصبح لكل شىء معنى !


بقلم / د. عادل محمد الوقف

محاضر بجامعة حورس

دمعت عيناى بعد أن انتهيت من مشاهدة خطاب التنحى الحزين الذى ألقاه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يوم التاسع من يونيو عام ١٩٦٧ و الذى اعترف فيه بهزيمة الجيش المصرى فى حرب يونيو و بقيت أحدق فى شاشة التليفزيون و أنا لا أكاد أصدق نفسى ، ثم توجهت مسرعا إلى أبى رحمه الله و سألته لماذا هزمنا ؟ و أين ذهبت صواريخ الظافر و القاهر التى كان المدرسون يحدثوننا عنها فى المدرسة و تتصدر صورها الصحف اليومية ؟ و أين هى قواتنا الباسلة التى كنا نشاهدها فى العروض العسكرية ؟ كان أبى ساهما و لم يجبنى بشىء !

سمعت صوتا عاليا يأتى من الشارع فخرجت إلى شرفة شقتنا لأتبين مصدره و شاهدت رزق الجزار واقفا فى وسط الشارع و هو يمسك بسكين و يصرخ قائلا و الدموع تنهمر من عينيه " يا جماعة الجيش ما حاربش ، الجيش انسحب و سلاح الطيران ادمر كله ، و إذاعة صوت العرب كدبت علينا لما قالت إننا وقعنا عشرات الطيارات الإسرائيلية ، و سينا ضاعت كلها ، أيوه سينا ضاعت كلها يا ميت ألف خسارة ، أنا سمعت الكلام ده فى إذاعة صوت أمريكا " ،  بدأ أهل الحى يلتفون حول المعلم رزق ليستمعوا منه إلى المزيد ، و بقيت أنا واقفا لبعض الوقت لا أدرى ما الذى يمكننى أن أفعله ؟

 كانت هناك أصوات هادرة تأتى من بعيد فنزلت مسرعا إلى الشارع لأتبين مصدرها و شاهدت مظاهرة حاشدة تهتف بكل قوة " حنحارب ، حنحارب ، نريد السلاح ، نريد السلاح " ، توجهت إلي ناحية المظاهرة فوجدت مجموعة من الرجال الأشداء يتوجهون إلى شارع البحر فسرت معهم أهتف بنفس هتافاتهم و كنت أقول لنفسى لو أن هؤلاء الرجال المتحمسون تمكنوا من قتال الجيش الاسرائيلى لأبادوه ، و أحسست ساعتها أن مصر مرضت و  سقطت و لكنها لم تمت ، نعم لم تمت ، و سوف تقوم من كبوتها بعزيمة و صلابة ولاد البلد الشجعان الذين رفضوا الهزيمة و الاستسلام منذ اللحظة الأولى ، و بدأت المظاهرات تعم مدينة المنصورة و كل أنحاء مصر تنادى بعودة عبد الناصر لقيادة البلاد مرة أخرى و كان لهم ما أرادوا و عاد الزعيم  ليحاول أن يصحح الأخطاء القاتلة التى وقع فيها و التى دفعت مصر ثمنها غاليا .

عقب نهاية حرب يونيو كنت ألتقى كل يوم بشاب وطنى متحمس يكبرنى سنا كان يسكن بالقرب من بيتنا و كنا نتناقش سويا فى أسباب الهزيمة الساحقة و ما الذى يمكن أن نفعله لنساعد البلد فى هذا الوقت العصيب ،  فقال لى منظمة الشباب تحتاج إلى من يشارك فى تقطيع أفرع الأشجار الموجودة على طريق سندوب و ذلك لإستخدامها فى التمويه و تغطية صناديق ماكينات مصنع الزيوت التى يخشى أن تضربها الطائرات الإسرائيلية ظنا منها أنها صناديق أسلحة و ذخائر ، و بالفعل شاركت مجموعة من الشباب فى هذه المهمة و تمكنا خلال أيام قليلة من تغطية كل الصناديق بفروع الشجر و أحسست يومها أن عزيمة الشباب يمكن أن تفعل الكثير و الكثير .

جرت فى النهر مياه كثيرة و نجح الجيش المصرى الجريح فى عدة مواجهات عسكرية مع العدو  مثل معركة رأس العش و تدمير المدمرة إيلات و معارك المدفعية فى حرب الإستنزاف و إسقاط الطائرات الإسرائيلية بعد الحصول على صواريخ سام المضادة للطائرات ، ثم جاء الرحيل المفاجئ للرئيس عبد الناصر ، و حمل الرئيس السادات المهمة الثقيلة من بعده .

كان حديث الصباح و المساء فى كل بيت هو متى وكيف نعبر القناة و نسترد سيناء السليبة ؟ و كان البعض يتحدث عن صعوبة معركة العبور و الخسائر الفادحة  التى سوف نتكبدها ، و تعرض السادات لانتقادات شديدة و سخرية لاذعة ، و لكن هذا الثعلب نجح فى خداع الجميع حتى أننا فى الشهور التى سبقت معركة أكتوبر تولد لدينا إحساس أنه لن تكون هناك حرب على الإطلاق و لكنه كان يجهز هو و رجاله للمعركة و يخطط و يدبر فى هدوء إستعدادا ليوم الثأر  .

حدثت المفاجأة التى لم يتوقعها أحد يوم السبت العاشر من شهر رمضان عام ١٣٩٣ هجرية ، الموافق ليوم السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣م ، و عبر الرجال القناة و اقتحموا خط بارليف و دمروا الدبابات و أسقطوا الطائرات و قاموا بأسر الكثير من الجنود و حطموا أسطورة الجيش الاسرائيلى الذى لا يقهر ، و استعاد المصريون كرامتهم التى فقدوها فى حرب يونيو ، و كتب الأستاذ توفيق الحكيم مقالا فى الصفحة الأولى لجريدة الأهرام بعنوان " اليوم صار لكل شىء معنى " ، و شدت بعده المطربة نجاة الصغيرة بأغنيتها الشهيرة " النهارده كل شىء يا بلادى أصبح له معنى " ، نعم عزيمة الرجال و شجاعتهم و جسارتهم جعلت وقتها لكل شىء معنى و ليتنا نتمكن يوما أن نستلهم من ملحمة العبور عبير النصر ، و نسترجع المشاعر و الأحاسيس الجميلة التى ملأت قلوبنا عقب نصر العاشر من رمضان ، دمتم و دامت مصر بخير .


google-playkhamsatmostaqltradent
close