recent
أخبار ساخنة

نفحات إيمانية ومع رمضان والفرقان " الجزء الأول "/ وطنى نيوز


 


إعداد / محمـــد الدكـــروى
لقد كان لكم فى سلفكم الصالح وسيرتهم ومجيد أعمالهم وصادق جهادهم بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله خير حافز أن تدفعوا عن دينكم، فتعيشوا أعزة قد مكن الله لكم دينكم الذى ارتضى لكم، وبدلكم بعد خوفكم أمنا، فجاهدوا أنفسكم أولا، لتطردوا من قلوبكم عدوكم الذى زيّن لكم الفسوق والعصيان، واحتل مدينة قلبكم بشركه وتمرده على ربه، واستهانته بحدوده وانتهاكه لحرماته، فلئن ظفرتم بعدوكم هذا، وأجلبتموه عن مملكة قلوبكم وأرواحكم، فمن أهون الهين عليكم الأخرى، والله معكم والنصر بيده يؤتيه من يشاء، وهو القوى العزيز، فإذا خالطت العقيدة شغاف القلوب، وداخل الإيمان بها النفوس، أصبحت فوق كل شيء، وأعز من كل شيء، من المال والولد، والأهل والعشيرة، والتجارة الرابحة، والمساكن الباذخة، وهذا المعنى السامى في تقديس العقيدة، وتقديمها على كل ما نملك وعلى كل المُتع الدنيوية، هو الذى يريده الله سبحانه وتعالى من عباده المخلصين حقا، ومن لم يكن على هذا الوصف، فليتربص غضب الله، ولينتظر عذابه وعقابه.
فإن بيان ما تحمّله رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل دعوة قومه إلى الإيمان، وإقناعهم بأن للعالم خالقا، وأنه يجب عليهم أن يقلعوا عن عبادة أحجار لا تضر ولا تنفع، وفي سبيل إقناع رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه، آذوه وأصحابه فى أنفسهم وأموالهم وأهليهم وأرزاقهم، ولقد اشتد المشركون فى هذا، حتى أكل المسلمون ورق الشجر، رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ذلك صابر على الأذى، حتى إنه أرسل بعض المسلمين الذين لم تكن لهم طاقة على تحمل إيذاء المشركين إلى بلاد الحبشة إشفاقا عليهم، وبقى هو ومن معه من المسلمين الذين لهم قدرة على تحمل الآلام بمكة، يتقبلون راضين كل ما ينزل بهم من تعذيب وتنكيل، ولما طال مُكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قومه وهو دائب على دعوتهم إلى عبادة الله ثلاث عشرة سنة، لا يفتر لسانه عن ترديدها بين أسماعهم، ولا يني قلبه عن الإخلاص إليهم، والنصح لهم، والحرص على إنقاذهم مما هم فيه من غى وضلال، حتى وصف الله سبحانه وتعالى شدة اهتمامه بهدايتهم.
وحرصه على تخليصهم، بقوله فى سورة الكهف" فلعلك باخع نغسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا" فلما طال مُكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قومه وهو دائب على دعوتهم، وهم صامدون على غيّهم، والعمل على الإضرار به هو ومن معه من المسلمين، أمرهم بترك مكة، حتى لم يبق منهم إلا عدد قليل بعد هجرة من هاجر منهم إلى المدينة، وكان من بين من بقى معه بمكة أبو بكر وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما وكان كلما استأذن أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم "على رِسلك فإني أرجو أن يُؤذن لي" فيقول له أبو بكر الصديق وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟ ولما رأى المشركون أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيعظم بعد هجرة المسلمين إلى المدينة، وبعد أن أسلم كثير من أهلها، وأنه سيصبح خطرا على حياتهم وتجارتهم بين مكة والشام إذا خرج من بينهم إلى المدينة، وأفلت من يدهم، لما رأى المشركون ذلك، اجتمعوا فى دار الندوة.
ليتشاوروا فى أمرهم، وفي أنجع الطرق للتخلص من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بحثوا في اجتماعهم ثلاثة حلول، أولها إخراجه من مكة ونفيه منها، وثانيها هو حبسه حتى تموت دعوته، وثالثها هو قتله بواسطة شباب مختارين من قبائل قريش حتى يتفرق دمه بينها، ولا يتأتى لبنى عبدالمطلب الأخذ بثأره، فيقنعوا بالدية، وبذلك تتخلص قريش من محمد إلى الأبد، وقد نال الرأى الأخير إجماع قريش وصمموا على تنفيذه، ولكن الله العليم بالسرائر أخبر نبيه بما عزم عليه كفار قريش، وأمره بالهجرة إلى المدينة، وأخبر صديقه أبا بكر بذلك، وطلب أبو بكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصحبه في هجرته، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما طلب، وفرح أبو بكر فرحا عظيما لما سيكون له من شرف صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد شرف صداقته، وفى الليلة التى حددتها قريش لتنفيذ كيدها، ونيل مكرها، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمه على بن أبى طالب رضى الله عنه أن ينام فى فراشه.
ويتسجّى ببُرده حتى يطمئن المشركون على وجود فريستهم في مكانها، وأنهم لا شك بالغون ما أرادوا، ولكن الله الحافظ لرسوله، والناصر لحقه على باطلهم أعمى أبصارهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما عميت بصائرهم عن الحق، فلقد خرج من بينهم في الثّلث الأخير من الليل وهو يقرأ قول الله تعالى " وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون" وذهب إلى دار صديقه أبي بكر وخرجا معا والليل لم ينته بعد إلى غار ثَور، واختبأ فيه حتى يئس كفار قريش من العثور عليهما، مع أنهم حين كانوا يفتشون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه وقفوا فوق الغار، حتى لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآهما، ولكن الله البالغ أمره، صرفهم عن رؤيتهما، وكان الحزن قد اشتد بأبي بكر، والخوف قد استولى عليه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم طمأنه بقوله " لا تحزن إن الله معنا" يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ ولقد بقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه فى الغار ثلاثة أيام.
حتى وافاهما دليلهما، وسلك بهما طريقا غير معهود، حتى لا تعرفه قريش، فتفسد عليهما خطتهما التي رسماها لبلوغ غايتهما، وتحقيق هدفهما، وفي أثناء مكثهما في الغار، كانت توافيهما في الغار أسماء بنت أبي بكر حاملة لهما طعامهما، وكذلك عبدالله ابنه ليطلعهما على أخبار قريش ومؤامرتهم ضد دعوة الحق وصاحبها، ثم راعى غنم أبى بكر صباحا ومساء ليعطيهما من اللبن ما يريدان، وليذهب آثار أقدام عبدالله وأخته أسماء، ولما أعلنت قريش عن إعطاء من يرشد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدار ديته، وهو مائة من الإبل، أراد سُراقة بن مالك أن يكون الفائز بها، فركِب فرسه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، بعد أن عرف من رجل من قبيلته طريقهما، إلا أنه لم يفز بما أراد، ورجع يصرف الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، فارين بدينهم من مكة، وأدخلهم الله فى المدينة المنورة مدخل صدق، بعد أن أخرجهم من القرية الظالمى أهلها مخرج صدق.
وآووا إلى ركن شديد من الأنصار الذين أنعم الله عليهم، فألف بين قلوبهم، وجمع بالإسلام شملهم، وجعل بلدهم معقل الإسلام وحصن المسلمين، ودار العزة لله ولرسوله، وخلص المسلمون من أذى قريش وفتنتها التي كانت تحاول بها أن ترد المؤمنين عن دينهم إلى وثنيتها الجاهلية وعبادتها الموتى والأنصاب مع الله باسم الشفعاء والوسطاء اتباعا للظن وما تهوى الأنفس، بعد أن جاءهم من ربهم الهدى، وما كاد المسلمون يلقون عصا الترحال فى المدينة، محاولين نسيان قريش وما كان من شرها وأذاها وفتنتها، والانصراف عنها إلى شأنهم فى الحياة الجديدة فى دار الهجرة، حتى تواتر إليهم أن قريشا تسلقهم بألسنة حداد، وتنظم الشعر في الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وترويه السفار يتنقلون به في أطراف الجزيرة وتشبب بنساء المؤمنين، وتقول السوء ترمي به المحصنات الغافلات المؤمنات، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون صابرون على ذلك حتى أذن الله لهم في رد العدوان ودفع الأذى.
google-playkhamsatmostaqltradent
close