recent
أخبار ساخنة

نفحات إيمانية ومع خالد بن الوليد ومقتل مالك " الجزء الثانى " / وطنى نيوز


 


إعداد / محمــــد الدكـــرورى
 
ونكمل الجزء الثانى مع خالد بن الوليد ومقتل مالك، وإذا تأملنا في صيغة الأمر من الوجهة اللغوية عندما قال خالد بن الوليد أدفأو أسراكم كان معناها الأساسي هو الدفء، أما المعنى الجانبى الذى هو القتل فلا تسجله معاجم اللغة إلا على الهامش، وبناء على هذا نجد الصياغة في لسان العرب دفف على الجريح أجهز عليه، وكذلك دافه مدافة ودفافا ودافاه وهي لغة لجهينة معناها القتل، وكانت هناك رواية أخرى لقصة القائد خالد بن الوليد ومالك بن نويرة، وتجرى رواية استجواب خالد رضي الله عنه لمالك بن نويرة للوقوف على أى الشهادتين حق، الشهادة بإسلامه أم الشهادة بإصراره على الردة ومنع الزكاة، فعندما جاءت به السرية حاوره خالد في موقفه من الإسلام، فقال مالك أتقتلني وأنا مسلم أصلي إلى القبلة؟ فقال خالد رضي الله عنه "لو كنت مسلما لما منعت الزكاة ولا أمرت قومك بمنعها، والله ما نلت ما في مثابتك حتى أقتلك" وفي رواية أنه قال "أنا آتى الصلاة دون الزكاة، فقال له خالد رضي الله عنه أما علمت أن الصلاة والزكاة معا.
لا تقبل واحدة دون الأخرى؟ فقال مالك قد كان صاحبكم يقول ذلك، قال خالد أوما تراه لك صاحبا؟ والله لقد هممت أن أضرب عنقك، ثم تجادلا في الكلام، فقال خالد إني قاتلك، فقال له أو بذلك أمرك صاحبك؟ قال خالد هذه بعد تلك، وكان عبد الله بن عمر وأبو قتادة الأنصارى رضى الله عنهما حاضرين، فكلما خالدا رضى الله عنه في أمره فكره كلامهما، فقال مالك يا خالد ابعثنا إلى أبى بكر فيكون هو الذى يحكم فينا، فقال خالد لا أقالنى الله إن أقلتك، وتقدم إلى ضرار بن الأزور بضرب عنقه" وقد تكون هذه الرواية أقرب إلى القبول لأنها تذكر سبب ردة مالك بن نويرة ومن اتبعه من قومه وهو امتناعه عن دفع الزكاة لأبى بكر رضي الله عنه، كما أن كلامه بحق النبى صلى الله عليه وسلم لا يصدر عن شخص مخلص فى إسلامه، ألا يرى مالك أن النبى صلى الله عليه وسلم سيد له وصاحب؟ ومع ذلك فقد تضمن الاستجواب إشارتين إلى إسلام مالك، وهما القول بأنه على استعداد لإقامة الصلاة، وقوله لخالد رضي الله عنه "أتقتلني وأنا مسلم أصلى إلى القبلة"
غير أنه رفض دفع الزكاة، وهنا يوصف بأنه مرتد معاند، وأن تصريحاته الاستفزازية لم تدع مجالا لخيار آخر سوى القتل، ومن هنا أيضا استقى خالد حجته عليه بعد أن كشف نواياه التى لا تخرج من قلب سليم الإيمان، ومع ذلك فإن خالدا لم يتسرع فى إصدار الحكم عليه، وجادله علة يتمكن من إقناعه بالعودة عن ردته، إلا إنه أصر على موقفه، فلم يبق فى نفس خالد رضى الله عنه بعد ذلك موضع للشك في ردته فعقد العزم على قتله، ورفض أن يرسله إلى أبي بكر كما أرسل غيره، أمثال قرة بن هبيرة والفجاءة السلمى وغيرهما، ولم يكن مالك بأقل قدرا منهم إلا إنه كان أعظم إثما وأستبعد أن يكون أصدقاء خالد بن الوليد اختلقوا حديثا متقن الحبكة يضع عنه الوزر لأن مالك إذا كان مطلعا على الإسلام هذا الاطلاع الحسن الذى يمكنه من مناقشة خالد فى دقائقه فمعنى ذلك أنه كان مسلما، والراجح أنه لم يكن مسلما وقت قتله على الأقل، وتصب شهادة أبى قتادة الأنصارى رضى الله عنه في مصلحة مالك، إذ أنكر على خالد رضي الله عنه.
فعله فظن ما حدث حيلة من حيله، فذهب إليه وقال "هذا عملك، فزجره خالد، فغضب ومضى حتى أتى أبا بكر" فأثار القضية أمامه، والراجح أن إقحام اسم أبى قتادة رضى الله عنه هو من نوع التمويه والتضليل، وأن يكون هذا الرجل خاصة هو الذى يُدلى بالشهادة ضد خالد رضى الله عنه فأمر يستحق النظر لأنه هو نفسه كان قد عارض خالد رضي الله عنه في أمر بنى جذيمة وانتقده انتقادا كبيرا، أو كان للحادث فى نفسه صورة أخرى وقد فهم منها أبو بكر ما أملى عليه قوله فى رده على، عمر بن الخطاب "تأول فأخطأ" يضاف إلى ذلك فقد شاهد عشرات من الصحابة ما شاهد أبو قتادة ولم يتصرفوا مثله، أما عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما الذى حضر الجلسة فعلى الرغم من أنه خالف خالد رضي الله عنه وعبر عن رأيه في هذه القضية إلا أنه لم يخرج على قائده وهذا من فقه ابن عمر رضي الله عنهما لأنه علم أن خالد رضي الله عنه ومن معه من الصحابة الذين وافقوه على قتل مالك لا يصدرون أحكامهم عن هوى.
وإنهم إن أخطأوا فقد تأولوا، وتتحدث بعض روايات التاريخ الإسلامي عن اختلاف في وجهات النظر بين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما في هذه القضية، فتجرى إحداها أنه لما بلغ خبر مقتل مالك وأصحابه عمر رضي الله عنه، قال"إن فى سيف خالد رهقا، فإن لم يكن هذا حقا، حق عليه أن تقيده، وأكثر عليه في ذلك" فأجابه أبو بكرٍ رضي الله عنه "هيه يا عمر، تأول فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد" وأضاف "لم أكن لأشيم سيفا سله الله على الكافرين" وودى مالك وكتب إلى خالد أن يقدم عليه، ففعل، وثمة مشهد حدث فى المسجد يُلخص حكاية جرت فى المدينة حيث يظهر خالد عند أبى بكر رضي الله عنهما قادما من أرض بنى تميم، فيدخل المدينة مصحوبا بكل علائم الحرب، ويلتقي عمر فى مسجد النبى صلى الله عليه وسلم فيذله ويرميه بتهمة يُلقى بها في وجهه "قتلت امرأ مسلما ثم نزوت على امرأته، والله لأرجمنك بأحجارك"، فلم يُكلمه خالد ومضى في اضطراب بالغ إلى أبي بكر رضي الله عنه
وهو يظن أن رأيه مثل رأى عمر رضي الله عنه، وجرى حوار بين الرجلين اعتذر في نهايته خالد أمام أبي بكر رضى الله عنهما، فعذره وتجاوز عنه، لكنه عنفه فى التزويج الذى كانت العرب تجمع على كراهته أيام الحرب، وأمره أن يفارق امرأة مالك، فخرج خالد رضى الله عنه وعمر رضي الله عنه جالس فى المسجد، فقال هلمّ إليّ يا ابن أم شملة، فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه فلم يكلمه ودخل بيته" والواضح أن هذه الرواية قد استغلت من واقع توجيهها دون مراعاة لحرمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتصور خالد رضى الله عنه فى صورة تجافيها المروءة، ويُنكرها الدين، وتشمئز منها الرجولة، ولا يرضى عنها عامة الناس، وتحشر رجلا هو ثالث ثلاثة فتجعل منه محورا تدور عليه فصولها وذلك هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهى تحمل في طياتها عوامل الشك فيها، منها أنها تصور خلافا حادا فى الرأى بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في تقييم ما صنع خالد رضى الله عنه، وهو خلاف غريب في حادث.
يمس حدا من حدود الله، وإذا لم يكن الاتفاق ضروريا بين المجتهدين فليس هذا الحادث من مواضع اختلاف المجتهدين لأنه اختلاف فى تكييف الحادث لا فى فهم النص وتطبيقه، بالإضافة إلى ماهية السياسة التي يجب أن تتبع في هذا الموقف الدقيق من حياة المسلمين تجاه المرتدين وقيام الثورة في أنحاء الجزيرة العربية، وأنه لا يمكن الوصول إلى دلالة ابن أم شملة التي هتف بها خالد رضي الله عنه في وجه عمر رضي الله عنه أثناء خروجه من عند أبى بكر، لكن مما لا شك فيه أن خالد رضي الله عنه لم يكن يكني بذلك عن والدة عمر رضي الله عنه، ولكن مجرد المخاطبة بلقب ابن امرأة ينطوى وحده على إهانة بالغة وهذا بعيد عن سلوك الصحابة، وأنه لم تذكر هذه الرواية لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيا في هذه القضية سوى أبى بكر وعمر رضي الله عنهما، ولا سيما أنها تتعلق بتصرف أكبر قادة المسلمين الذى إذا صح ما نسب إلى عمر رضى الله عنه في اتهامه لخالد رضي الله عنه لكان جزاء هذا القائد في الشريعة الإسلامية القتل.
google-playkhamsatmostaqltradent
close