recent
أخبار ساخنة

نفحات إيمانية ومع القعقاع بن عمرو " الجزء الثالث " / وطنى نيوز



إعداد / محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء الثالث مع القائد الشجاع القعقاع بن عمرو، وقد توقفنا مع معركة القادسية وإن من قصص القادسية، والتي تستحق أن نقف عندها هى قصة أبو محجن، وهو أبو محجن مالك بن حبيب الثقفى وقيل عبد الله بن حُبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عُقدة بن غيرة بن عوف بن قَسي ثقيف الثقفى، وكانت أمه هى كنود بنت عبد أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن قريش، وهو أحد الأبطال الشعراء الكرماء في الجاهلية والإسلام وكان فارسا حارب المسلمين في غزوة ثقيف، وأسلم بعدها، وروى عدة أحاديث، وقد نظم الشعر في الغزل والفخر والرثاء، ولكن شهرته تعتمد على خمرياته ووصفه للحرب، وديوانه الصغير مطبوع، وقد ذكره المدائني والبلاذري فيمن شهد معركة الجسر، وكان على رأس أربعمائة من ثقيف، وفي يوم الجسر له شعر في رثاء أخوانه، وابن عمه القائد أبو عبيد الثقفى، وهو الذى نهى عمر بن الخطاب عن تجسسه عليه فوافقه الإمام على بن أبى طالب.
وكان محبا للخمر، فحده أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مرارا، ثم نفاه بعد حادث الشموس بنت النعمان إلى جزيرة في البحر يقال لها حضوضى، إلا أنه هرب من الحارس الذى رافقه قبل وصولهما تلك الجزيرة، ولحق بالقائد سعد بن أبى وقاص بالعراق، فحبسه، ولكنه أبلى في موقعة القادسية، فأعجب به سعد وأطلق سراحه، وفي السنة السادسة عشر بعد فتح المدائن عاد أبو محجن إلى الخمر فنفاه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى باضع، وقيل أن أبا محجن أوصى قائلا إذا مت فادفنى إلى جنب كرمة تروي عظامى بعد موتي عروقها، ولا تدفنني بالفلاة فإنني أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها وزعم الهيثم بن عدى أنه أخبره من رأى قبر أبي محجن بأذربيجان أو قال في نواحي جرجان وقد نبتت عليه كرمة وظللت وأثمرت، فعجب الرجل وتذكر شعره، وقال الواقدي نفى عمر أبا محجن إلى باضع فى سنة السادسة عشر من الهجرة، وقال بروكلمان أنه لم يزل أبو محجن يشرب الخمر حتى نفاه عمر إلى باضع، وهي مدينة مصوع على سواحل الحبشة.
وتوفى بها بعد مدة وجيزة، وقد قيل أنه لا يجوز تعطيل حد من حدود الله ، فإقامة الحدود من شعائر الإسلام التي لا يجوز تعطيلها، فكان أبو محجن رضى الله عنه، قد اتهم بشرب الخمر، وقصته أنه خرج مع المجاهدين في معركة القادسية، وقد حبسه سعد فى المعركة، ومنعه من القتال من أجل المسكر، فلما اشتد القتال، وكان أبو محجن قد حبس وقيد في القصر، فأتى سلمى بنت خصفة امرأة سعد، فقال لها هل لك إلى خير؟ قالت وما ذاك؟ قال تخلين عني وتعيرينني البلقاء وهو فرس سعد فلله علي إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلى في قيدي، وإن أصبت فما أكثر من أفلت، فقالت ما أنا وذاك، فقال حزين على نفسه، والأبطال في حلبة القادسية، وهو مقيد، كفى حُزنا أن ترد الخيل بالقنا، وأترك مشدودا عليّ وثاقيا، ولله عهد لا أخيس بعهده، لئن فرّجت أن لا أزور الحوانيا، فسمعت سلمى منه، وهو يردد هذه الأبيات، فقالت إني استخرت الله، ورضيت بعهدك، فأطلقته فأبلى بلاء حسنا، وعندما علم سعد دعا به، فحلّ قيوده.
وقال لا نجلدك على الخمر أبدا، قال أبو محجن وأنا والله لا أشربها أبدا، ولكن من الذي لا يخطئ؟ ومن الذى لا يزل؟ فإن كل بني آدم خطاء، لكن الخطيئة فى الإسلام ليست وصمة عار تبقى ملاصقة للمرء لا فكاك عنها، فخير الخطائين التوابون، فالخطيئة تعالج بالتوبة، والسيئة تمحوها الحسنة بعدها، وإن المخطئين والمذنبين ليسوا عناصر فاسدة في المجتمع المسلم لا يمكن الاستفادة من طاقاتهم، ولو أن كل من أخطأ أو أذنب استبعد من كل شيء لتعطلت كثير من المصالح والأنشطة، ولكن ما فعله سعد مع أبي محجن رضى الله عنهما، من تركه إقامة الحد عليه ليس من تعطيل حدود الله تعالى، ولكنه لما رأى ما أبلى به أبو محجن من بلاء حسن فى الحرب ، وبذله نفسه في سبيل الله ، وعلم من حاله صدقه في التوبة من الشراب درأ عنه الحد، وليس هذا تعطيلا له، وإنما هو من باب محو السيئة السالفة بالحسنة الماحية، وأن التوبة تجبّ ما قبلها، وقد تكلم الحافظ ابن حجر رحمه الله على ما فى قصة أبي محجن، من ذكر الخمر، وعدم حد سعد له.
قال" وقد عاب ابن فتحون، أبا عمر ويعنى ابن عبد البر، على ما ذكره فى قصة أبي محجن أنه كان منهمكا في الشراب فقال كان يكفيه ذكر حدّه عليه، والسكوت عنه أليق" والأولى في أمره هو ما أخرجه سيف في الفتوح أن امرأة سعد سألته فيم حبس؟ فقال والله ما حبست على حرام أكلته ولا شربته، ولكني كنت صاحب شراب في الجاهلية فندّ كثيرا على لساني وصفها، فحبسني بذلك، فأعلمت بذلك سعدا، فقال اذهب، فما أنا بمؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله، قلت سيف ضعيف، والروايات التي ذكرناها أقوى وأشهر، وأنكر ابن فتحون قول من روى أن سعدا أبطل عنه الحد، وقال لا يظن هذا بسعد، ثم قال لكن له وجه حسن ولم يذكره، وكأنه أراد أن سعدا أراد بقوله لا يجلده في الخمر، بشرط أضمره، وهو إن ثبت عليه أنه شربها، فوفقه الله أن تاب توبة نصوحا، فلم يعد إليها كما في بقية القصة، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إنما أخر قيام الحد عليه، لأن الحدود لا تقام فى أرض الحرب، فإذا رجع أقيم عليه الحد، فالحد إنما أخر لعارض، كما يؤخر لمرض أو شغل، فإذا زال العارض، أقيم الحد، لوجود مقتضيه.
وانتفاء معارضه، وقال ابن القيم رحمه الله " وأكثر ما فيه تأخير الحد لمصلحة راجحة إما من حاجة المسلمين إليه أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار، وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل والمرضع وعن وقت الحر والبرد والمرض فهذا تأخير لمصلحة المحدود فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى" وعندما وجاء يوم الخيل ذات السلاسل التى كانت في شهر المحرم من السنة الثانية عشرة من هجرة النبى الكريم صلى الله عليه وسلم حيث وصل الكتاب من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، إلى خالد بن الوليد رضى الله عنه يأمره بالتوجه إلى الشام، وما إن وصل إلا وقد طلب خالد المدد من أبى بكر فاختار القعقاع بن عمرو لهذه المهمة الجليلة، وكان على الجانب الآخر جانب العدو، وفي منطقة الأبلة يقف هرمز أمير هذه المنطقة من قبل فارس، وقال خالد لجنده لما وجد الفرس قد استولوا على الماء ألا انزلوا وحطوا أثقالكم، ثم جالدوهم على الماء، فلعمرى ليصيرن الماء لأصبر الفريقين، وأكرم الجندين.
فحطت الأثقال والخيل وقوف، ثم زحف خالد لملاقاتهم ودار قتال عنيف شارك فيه القعقاع بن عمرو رضي الله عنه تحت قيادة خالد بن الوليد وشقيقه عاصم بن عمرو رضي الله عنهما، وقد خرج هرمز مناديا خالد بن الوليد إلى النزال، فمشى خالد إليه، وكان لقاء بطوليا عظيما باشر فيه القائد بنفسه صراعه مع خصمه، ولك يخرج جنديا غيره، وقد وقف القعقاع وقد توقدت عيناه وقريحته الفياضة يرقب هذا الصراع، ويهلل كلما وجه خالد ضربة لخصمه، حتى اختلفا ضربتين واحتضن خالد هرمز وفجأة خرج عدد من جنود الفرس يريدون الغدر بخالد بن الوليد رضي الله عنه، فعند هذه اللحظة، أخذ القعقاع رضي الله عنه، بعنان فرسه، وانطلق يسابق الريح حتى تجاوز المضمار، وضرب يمينا وشمالا في وجوه الذين أرادوا بخالد شرا، حتى تراجعوا وتساقطوا وأمن خالد بن الوليد شر مكرهم، وفى اليرموك قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعدما سمع بمكر الروم" والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد" .

 

google-playkhamsatmostaqltradent
close