recent
أخبار ساخنة

تعرف على شخصية إقتصادى مصر الأول طلعت باشا حرب/وطنى نيوز ‏


كتب - هانى زكريا 

ولد طلعت حرب بمنطقة الجمالية بالقاهرة، أنهى دراسته الثانوية بمدرسة التوفيقية ، ثم حصل على شهادة الحقوق من مدرسة الحقوق عام 1889م ، أهتم بالإضافة لدراسة الحقوق بدراسة الأمور الاقتصادية ، وأيضاً الإطلاع على العديد من الكتب في مختلف مجالات المعرفة والعلوم ، وقام بدراسة اللغة الفرنسية حتى أجادها إجادة تامة .

بدأ طلعت حرب حياته العملية مترجماً بقلم القضايا بالدائرة السنية التي كانت تتولى الأراضي الزراعية المملوكة للدولة ، ثم تدرج في المناصب حتى عين مديراً لأقلام القضايا ، عمل بعد ذلك مديرا لشركة كوم امبو و التي كان مجال نشاطها في استصلاح وبيع الأراضي ، ثم مديراً للشركة العقارية المصرية وكانت تعمل في مجال تقسيم و بيع الأراضي و عمل على تمصيرها حتى أصبحت غالبية أسهمها للمصريين .

كان طلعت حرب يتطلع دائماً للعمل الحر فقام بإنشاء " شركة التعاون المالي"، و التي قامت بتقديم العديد من القروض المالية للشركات الصغيرة المتعسرة مادياً . وفي عام 1911 قدم طلعت حرب رؤيته الفكرية واجتهاداته النظرية عن كيفية إحداث ثورته الثقافية وذلك من خلال كتابه "علاج مصر الاقتصادي وإنشاء بنك للمصريين" .وفي عام 1912 قدم طلعت حرب كتابه "قناة السويس" وذلك لتفنيد دعاوي إنجلترا وفرنسا لتمديد عقد احتكار القناة لمدة 40 سنة أخرى بعد الـ 99 سنة التي تنتهي في عام 1968 وقد نجحت حملة طلعت في القضاء على هذا المخطط الاستعماري في مهده .
وقد كان طلعت حرب ميالا ( بشكل واع ) للفلاحين والغلابة ويدافع عنهم فعند تصفية الدائرة السنية سعى إلى بيع الأراضي إلى الفلاحين الذين يزرعونها ونجح في ذلك مما يؤكد نزعته الاشتراكية التي لم يسع أبدا إلى قولبتها في قوالب سابقة التجهيز ولكنها كانت اشتراكية تنبع من الأرض المصرية .. 

▪️بعد أن أعلن طلعت حرب عن فكرته في ضرورة إنشاء بنك للمصريين انعقد المؤتمر الوطني عام 1911 للنظر في مشكلات مصر الإجتماعية وقرر المجتمعون تنفيذ فكرة حرب في إنشاء بنك مصر وقد تعطلت عملية إنشاء البنك بسبب الحرب العالمية الأولى .
وعندما انتهت الحرب دون أن تحصل مصر على استقلالها السياسي انفجرت ثورة 1919 بقيادة سعد زغلول وأثناء الثورة دعا طلعت حرب أبناء مصر إلى الكفاح ضد سيطرة الأجانب الإقتصادية على المقدرات المصرية ، وتعود فكرة إنشاء بنك مصر وينجح طلعت حرب في إنشاء البنك عام 1920 حيث تم الإحتفال بتأسيسه مساء الجمعة 7 مايو 1920 في دار الأوبراالسلطانية ، وذلك برأس مال 180 ألف جنيه وتم تحديد قيمة السهم بأربعة جنيهات مصرية ، وفي نهاية عامه الأول ارتفع رأس مال البنك إلى 175 ألف جنيه ثم إلى نصف مليون جنيه عام 1925 ، ثم إلى مليون جنيه عام 1932 ، وقد بدأ بنك مصر في ركن متواضع من أوطان شارع الشيخ أبي السباع .
ويعد انشاء بنك مصر في أوائل القرن العشرين بمثابة بداية الاستقلال الاقتصادي لمصر ، كما كانت ثورة 1919 م بداية الاستقلال السياسي .
و أجمل ما في قصة انشاء بنك مصر هي أنها كانت تعبير صادق و جلي عن مدي النضج الفكري الذي وصل إليه الشعب المصري في أوائل القرن العشرين ، فالشعب المصري الذي خرج في ثورة 1919 م لم يكن فقط يتمتع بوعي سياسي كبير ، و إنما كان لديه وعي و فهم لتحرير و تطوير المجالات الأخري الاقتصادية والفنية و غيرها بدرجة لا تقل عن وعيه السياسي .هذا الوعي الفكري الشامل للمجتمع المصري تفجر في انجازات كبيرة في كل مناحي الحياة في ذلك الوقت ، الاقتصادية منها مثل بنك مصر ، و الفنية متمثلاً في ظهور السنيما المصرية وانشاء معهد فن السينما ، و التعليمي منها بإقامة صرع التعليم الشامخ الجامعة الأهلية ( جامعة القاهرة ) التي تعد أول جامعة تدرس العلوم المدنية في المنطقة كلها وهو وعي لم يقتصر علي طبقة واحدة من الشعب دون غيرها ، مثل الاغنياء مثلاً أو المثقفين ، و إنما شمل كل طبقات الشعب الغني منها و الفقير ، الصغير منها و الكبير .
وقصة إنشاء بنك مصر هي معزوفة وطنية عزفها كل فئات الشعب ، فلانت معها إرادة الحكام ورضخت لها أعنة رؤوس الاحتلال ، ولقد جاء بنك مصر ليسد حاجة ملحة في الاقتصاد المصري باستثمار أموال المودعين داخل مصر وفي مشروعات تخدم الاقتصاد المصري ، بعد أن كانت كل أموال المدخرين المصريين في بنوك الأهلي وكريدي فونسيه وغيره تجد طريقها خارج البلاد لتستثمر في اقتصاديات الدول الأوروبية .

وفي 3 أبريل 1920 م ، صدر المرسوم السلطاني من سلطان مصر أحمد فؤاد ، بتأسيس شركة مساهمة تدعي بنك مصر من خمس مساهمين مصريين هم : أحمد مدحت يكن باشا ، يوسف أصلان قطاوي باشا وهو من كبار الأعيان اليهود المصريين ، ومحمد طلعت حرب بك ، وعبد العظيم المصري بك ، وعبد الحميد السيوفي بك ، والطبيب فؤاد سلطان بك ، واسكندر مسيحة افندي ، وعباس بيسوني الخطيب افندي .

والحقيقة أن سلطة الاحتلال البريطاني لم تحاول منع قيام هذا البنك المصري أو وضع العقبات في طريق انشائه ، علي الرغم أنه قام لينافس البنك الأهلي الذي كان يمثل سلطة الاحتلال الاقتصادي الانجليزي لمصر .

ويرجع د. يونان لبيب رزق ذلك إلي أن الشارع المصري كان في ذلك الوقت في حالة غليان في اعقاب ثورة 1919م ، فلم تشأ سلطة الاحتلال أن تفجر الوضع مرة أخري مثل ما حدث باعتقال سعد زغلول من قبل ، كما أن الانجليز ربما رأوا أن بنك مصر برأس ماله الصغير وقلة خبرة المصريين في أعمال البنوك لن يستطيع الصمود في المنافسة ، و لن يلبث أن يقع و يغلق أبوابه ، فلا داعي لدخول معركة ضد الرأي العام لا حاجة لها .
وبدأت رحلة بنك مصر في تمصير الاقتصاد المصري والقيام بمشروعات اقتصادية تعود بالنفع علي مصر ، أهمها انشاء شركات مصر للسياحة والأقطان و الغزل و النسيج والتمثيل و السينما ، و غيرها .وقد استفاد طلعت حرب كثيراً عندما ارتبط في بداية حياته بعلاقة وثيقة مع عمر باشا سلطان مما أكسبه الكثير من الخبرات الإقتصادية والإدارية وفي اتصاله بالحركة الوطنية أيام الخديوي عباس حلمي الثاني ، ولذلك فقد كان ينظر إلى المال كخدمة عامة يساعد في الحفاظ على الثروة الوطنية وتصنيع البلاد ، وقد أكد ذلك في خطبة افتتاح بنك مصر حيث ذهب إلى أنه ليس بنكا تجاريا حيث إن مهمته الأساسية هي إدخال التصنيع إلى مصر وتشجيع التجارة ، وقبل أن ينشئ بنك مصر أنشأ مع صديقه فؤاد الحجازي محلا للبقالة حتى يشجع المصريين على التجارة ورغم انتقادات المحيطين به إلا أن التجربة نجحت وشجعت الكثيرين على خوض مجال التجارة وقد تنازل بعد ذلك عن المحل لبعض المصريين .

وقد قام بنك مصر برسالته الوطنية في تنمية الودائع علاوة على أرباحه التي استثمرها في إنشاء أكثر من عشرين شركة مصرية ، ومع تأسيس البنك رفض طلعت حرب رئاسة بنك مصر وترك المنصب لأحمد مدحت باشا يكن ، واكتفى هو بمنصب نائب الرئيس والعضو المنتدب ، وقد استدعى الخبير الألماني فون أنار لوضع النظم الداخلية للبنك ، وفي نفس الوقت أرسل بعثات من شباب مصر إلى إنجلترا وسويسرا وألمانيا للتدريب العملي على العمل المصرفي ، وقد عاد جميع المصريين ليعملوا في بنك مصر ، وسريعا ماانتقل بنك مصر من مقره المتواضع إلى مقره الحالي في شارع محمد فريد ، وسريعا ماانتشرت فروع البنك لتصل إلى 37 وحدة مصرفية في عام 1938، وقد اهتم طلعت حرب بالمظهر الخارجي لمنشآت بنك مصر فجعل جميع مباني البنك ذات نمط معماري واحد . وقد استطاع بنك مصر وشركاته امتصاص جزء كبير من البطالة حيث زادت ودائع البنك مقارنة بكل البنوك الأجنبية العاملة في مصر ، مماأنهى مقولة الإستعمار والتي كانت تردد في ذلك الوقت "المصري لايعرف إلا الإستدانة" حيث استطاع بنك مصر تحفيز الإدخار لدي كل المصريين حتى الأطفال بعد أن وزع البنك حصالات على تلاميذ المدارس الابتدائية ثم يأخذ مافيها ويفتح للأطفال دفاتر توفير بالبنك .
ومن إسهاماته الاقتصادية بعد عامين فقط من إنشاء بنك مصر قام طلعت حرب بإنشاء أول مطبعة مصرية برأس مال قدره خمسة آلاف جنيه ، وبعد إنشاء المطبعة توالت الشركات المصرية التي ينشئها البنك مثل شركة مصر للنقل البري، كما أنشأ البنك شركة مصر للنقل النهري ثم شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى واستقدم طلعت حرب خبراء هذه الصناعة من بلجيكا وأرسل بعثات العمال والفنيين للتدريب في الخارج ، كما أقام مصنعا لحلج القطن في بني سويف ، وأنشأ البنك مخازن ( شون ) لجمع القطن في كل محافظات مصر .
وتواصلت عطاءات طلعت حرب فأنشأ شركات مصر للملاحة البحرية ، ومصر لأعمال الإسمنت المسلح ، ومصر للصباغة ، ومصر للمناجم والمحاجر ، ومصر لتجارة وتصنيع الزيوت ، ومصر للمستحضرات الطبية، ومصر للألبان والتغذية ، ومصر للكيمياويات ، ومصر للفنادق ، ومصر للتأمين ، كما أنشأ طلعت حرب شركة بيع المصنوعات المصرية لتنافس الشركات الأجنبية بنزايون ، صيدناوي وغيرهم .
وقد سعى طلعت حرب لإنشاء شركة مصرية للطيران إلى أن صدر في 27 مايو 32 مرسوم ملكي بإنشاء شركة مصر للطيران كأول شركة طيران في الشرق الأوسط برأس مال 20 ألف جنيه ، وبعد عشرة أشهر زاد رأس المال إلى 75 ألف جنيه ، وقد بدأت الشركة بطائرتين من طراز دراجون موت ذات المحركين تسع كل منها لثمانية ركاب ، وكان أول خط من القاهرة إلى الاسكندرية ثم مرسى مطروح ، وكان الخط الثاني من القاهرة إلى أسوان ، وفي عام 1934 بدأ أول خط خارجي للشركة من القاهرة إلى القدس كما قام بتأسيس شركة مصر للتمثيل والسينما "أستديو مصر" لإنتاج أفلام مصرية لفنانين مصريين .
وعلى الرغم من النجاح الذي حققه طلعت حرب من خلال بنك مصر والإنجازات الاقتصادية الهائلة التي تم تحقيقها ، إلا أن البنك تعرض لأزمة مالية كبيرة ، كان الاحتلال البريطاني ورائها ، حيث تسارع آلاف المودعين بسحب أموالهم من البنك ومما زاد الأزمة سحب صندوق توفير البريد لكل ودائعه من بنك مصر ، ورفض البنك الأهلي أن يقرضه بضمان محفظة الأوراق المالية ، و عندما ذهب طلعت حرب إلى وزير المالية حينذاك حسين سري باشا لحل هذه المشكلة ، كان الشرط الوحيد الذي قدمه الوزير لحل أزمة البنك هو تقديم طلعت حرب لاستقالته .

 توفى طلعت حرب في 13 أغسطس عام 1941م ، بعد أن حقق للشعب المصري نهضة اقتصادية ، وأثبت للعالم أجمع قدرة الإنسان المصري والعربي على إدارة أعماله بمفرده دون الحاجة للوصاية الأجنبية عليه .
google-playkhamsatmostaqltradent
close