recent
أخبار ساخنة

نفحات إيمانية ومع زكاة الفطر " الجزء السابع "


 

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء السابع مع زكاة الفطر، لقد كانت أيام هذا الشهر الكريم معمورة بالصيام والذكر والقرآن، ولياليه منيرة بالصلاة والقيام وأحوال المتقين فيه على ما ينبغي، ويرام، فمضت تلك الأيام الغرر، وتلك الليالي الدرر كالساعة من نهار، فيا أسفا على تلك الليالي والأيام لقد مضت أوقات شهرنا سراعا، وكان كثير منها في التفريط مضاعا، فنسأل الله تعالى أن يخلف علينا ما مضى منها، وأن يبارك لنا فيما بقي منها، وأن يختم لنا شهرنا بالعفو والغفران والقبول والعتق من النار وبلوغ المأمول، وأن يعيد أمثاله علينا في خير وأمن وإيمان، ولقد شرع لنا ربنا الكريم في ختام هذا الشهر عبادات جليلة يزداد بها إيماننا، وتكمل بها عباداتنا، وتتم بها علينا نعمة ربنا شرع لنا ربنا في ختام هذا الشهر زكاة الفطر والتكبير وصلاة العيد، فأما زكاة الفطر فهي صاع من طعام صاع من البر أو الرز أو التمر أو غيرها من قوت الآدميين، قال أبو سعيد رضي الله عنه فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من طعام. 

وكلما كان من هذه الأصناف أطيب وأنفع للفقراء، فهو أفضل وأعظم أجرا، فطيبوا بها نفسا، وأخرجوها من أطيب ما تجدون، فلن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، وهي ولله الحمد قدر بسيط لا يجب في السنة إلا مرة واحدة، فكيف لا يحرص الإنسان على اختيار الأطيب مع أنه الأفضل عند الله وأكثر أجرا، ويجوز للإنسان أن يوزع الفطرة الواحدة على عدة فقراء، وأن يعطي الفقير الواحد فطرتين، فأكثر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدر الفطرة بصاع، ولم يبين قدر من يعطي، فدل على أن الأمر واسع، وعلى هذا لو كال أهل البيت فطرتهم، وجمعوها في كيس واحد، وصاروا يأخذون منها للتوزيع من غير كيل، فلا بأس لكن إذا لم يكيلوها عند التوزيع، فليخبروا الفقير بأنهم لا يعلمون عن كيلها خوفا أن يدفعها عن نفسه، وهي أقل من الصاع، وزكاة الفطر فرض على جميع المسلمين على الصغير والكبير والذكر والأنثى، فأخرجوها عن أنفسكم، وعمن تنفقون عليه من الزوجات والأقارب، ولا يجب إخراجها عن الحمل الذى فى البطن. 

فإن أخرج عنه فهو خير، والأفضل إخراج الفطرة يوم العيد قبل الصلاة، ويجوز إخراجها قبل العيد بيومين فقط، ولا تجزئ بعد صلاة العيد إلا إذا كان الإنسان جاهلا لا يدري مثل أن يأتي العيد بغتة، ولا يتمكن من أدائها قبل الصلاة أو يظن أنه لا بأس بتأخيرها عن الصلاة، فهذا تجزئه بعد الصلاة، ولا يجزئ دفع زكاة الفطر إلا للفقراء خاصة، والواجب أن تصل إلى الفقير، أو وكيله في وقتها، ويجوز للفقير أن يوكل شخصا في قبض ما يدفع إليه من زكاة، فإذا وصلت الزكاة إلى يد الوكيل، فكأنها وصلت إلى يد موكله، فإذا كنت تحب أن تدفع فطرتك لشخص، وأنت تخشى أن لا تراه وقت إخراجها، فمره أن يوكل أحداً يقبضها منك، أو يوكلك أنت في القبض له من نفسك، فإذا جاء وقت دفعها، فخذها له بكيس أو غيره، وابقها أمانة عندك حتى يأتي، وأما التكبير فقد أمر الله به تعالى في كتابه، فقال تعالى " ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم" أى على ما وفقكم له من الصيام، والقيام وغيرهما من الطاعات في هذا الشهر. 

فكبروا أيها المسلمون من غروب شمس ليلة العيد إلى الصلاة قولوا الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، قولوا ذلك جهرا في المساجد، والأسواق، والبيوت، إلا النساء، فإنهن يكبرن سرا لا جهرا، وأما الصلاة فقد أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى النساء، فاخرجوا رحمكم الله إلى الصلاة رجالا ونساء كبارا وصغارا، ولتخرج النساء غير متجملات، ولا متطيبات، وتعتزل الحائض المصلى لأن مصلى العيد مسجد، أما الرجال، فالسنة أن يخرجوا متطيبين لابسين أحسن ثيابهم بعد الاغتسال والتنظيف، والسنة أن يأكل الإنسان قبل خروجه إلى الصلاة تمرات وترا ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو نحوها من الوتر، وسمعت أن بعض النساء يخرجن بالتمر معهن إلى مصلى العيد يفطرن فيه، وهذا بدعة لا أصل له، وبعضهن يفعل ذلك إذا جاء خبر العيد بعد الفجر يقلن ما نفطر إلا بالمصلى وهذا أيضا لا أصل له بل الواجب أن ينوى الإنسان الفطر من حين أن يثبت العيد لأن إمساك يوم العيد حرام. 

وإن من رحمة الله تعالى بعباده أنه لما خلقهم وكلفهم هداهم لدينه، وبيّن لهم الطريق إليه، وأقام الحجة عليهم، وقطع أعذارهم، والشرائع التي أوجبها الله تعالى على العباد، وألزمهم بها، هي لمنافعهم ومصالحهم، فالتزامهم بها ينفعهم ولا ينفع الله تعالى شيئا، ورفضهم لها يضرهم ولا يضر الله تعالى شيئا، كما قال سبحانه في الحديث القدسى "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني" رواه مسلم، هذا ومن أعظم ما فرض الله تعالى على عباده من الفرائض فريضة الزكاة، فهي عبادة المال، وركن الإسلام الثالث بعد الشهادتين والصلاة، تكرر ذكرها في القرآن كثيرا، وقرن ذكرها بذكر الصلاة في أكثر الآيات، فالصلاة تعصم الدم، والزكاة تعصم المال، ولولا ما فيها من المنافع للعباد في معاشهم ومعادهم، وفيما يخصهم أفرادا وجماعات ودولا وأمما لما كانت عناية الشريعة بها كذلك إذ إن الله تعالى لا يشرع لعباده إلا ما يصلحهم في الدنيا والآخرة، والزكاة دليل صدق العبد فى إيمانه، وتسليمه لربه. 

وثقته في موعوده ولذلك يبذل أغلى ما يملك عن طيب نفس ورضا، ومن هذا القبيل أطلق على الزكاة لفظ الصدقة، وهو مأخوذ من الصدق في مساواة الفعل للقول والاعتقاد، وهذا الفهم لمعنى الزكاة يرتكز على مفهوم التلازم بين الفعل والقول والاعتقاد في الإسلام، فلا يكمل الاعتقاد بلا قول، كما لا يكمل القول بدون فعل، فالتلازم بين هذه الأمور الثلاثة لحمة عقيدة الإسلام ومرتكزها، وإن ارتباط الزكاة بالعقيدة، وكونها جزءا أساسا لا يكتمل الإيمان إلا بها يدل عليه ما ورد من آيات عن الزكاة في العهد المكي، حيث لم تتكون بعد دولة الإسلام، ولم تتحدد أنواع الأموال والمقادير الواجب إخراجها، إنما كانت الإشارة إلى الزكاة في هذه الفترة باعتبار أنها جزء من الاعتقاد، مما يدل على مدى التلازم بين الإيمان بالله تعالى والعبودية التي هي أقوال وأفعال تبرهن على صدق الإيمان، كما يبين هذا التبكير في الخطاب بالزكاة قبل قيام دولة الإسلام ما يجب على الفرد تجاه إخوانه ومجتمعه وأمته، وإن الزكاة تعني الطهارة والنماء والبركة. 

فيقول ابن قتيبة رحمه الله تعالى الزكاة من الزكاء والنماء والزيادة، سميت بذلك لأنها تثمر المال وتنميه، ويقال زكا الزرع إذا كثر ريعه، وزكت النفقة إذا بورك فيها، ومن عجيب التشريع الرباني أن الزكاة أخذ، والأخذ في الأصل نقص من المال، وهذا هو المستقر عند البشر، ولذلك يشح أكثرهم ببذل المال خوفا من نقصه، ولكن الشارع الحكيم أخبرنا أن الزكاة وإن كانت إخراج جزء من المال فهي طهارة ونماء للمال، على عكس ما هو مستقر عند البشر، وقد تواردت النصوص على هذا المعنى العظيم الذي لا يدركه أكثر الناس، فيقول الله تعالى فى سورة التوبة " خذ من أموالهم صدقه تطهرهم وتزكيهم بها" والتطهير والتزكية من أعظم مطلوبات أصحاب النفوس السامية، والهمم السامقة، وتطهير الزكاة عام يشمل المزكي، وآخذ الزكاة، والمال المزكى، والمجتمع بأسره، أما المزكي فتطهره الزكاة من البخل والشح والأثرة والأنانية كما تطهره من عبودية المال، وكم من صاحب مال يملكه المال ويُسيّره حتى يكون عبدا له.

google-playkhamsatmostaqltradent
close