recent
أخبار ساخنة

قراءة حول الوضع السياسي في تونس/وطني نيوز

نائب رئيس القسم الادبي هند خطاب
قراءة حول الوضع السياسي في تونس/وطني نيوز 
كتبت نجاة الأخضر / تونس

لا يخفى على كلّ متابع ما آلت إليه الأوضاع في تونس، أزمات متتالية على جميع الأصعدة والمستويات سياسيا، اقتصاديا، اجتماعيا، ثقافيا، صحيّا،... ولعلّ أصول هذه الأزمات متجذّرة وزادت استفحالا منذ ثورة 2011 إلى يومنا هذا ولربّما تتواصل لسنوات في ظلّ التمسّك بالمناصب والتنصّل من المسؤوليات والتعايش مع الفساد.
رافقت هذه الأزمات احتجاجات شعبية هزّت عرش الديكتاتورية وفتحت المجال أمام ممارسة الحريات الفردية والجماعية وغيّرت المشهد السياسي أملا في تحقيق مطالب مجتمعية سال من أجلها دم شهداء واحترق جسدٌ بنارٍ أوقدت فتيلَ الاحتجاج والتوق إلى الحرية المسجونة والكرامة المسحوقة والحقوق المسلوبة.
عشر سنوات مرّت والحصيلة عشر حكومات متعاقبة زادت من تفقير الشعب وتجاهل مطالبه، غليان شعبي، اغتيالات، فساد، وباء فتك بالآلاف، نخبة سياسية تحيك المؤامرات وتعقد ائتلافات والهدف هو السلطة والتغلغل في مفاصل الدولة وصرنا نتحدّث عن جهاز سرّي ودولة داخل الدولة. مجلس نوّاب مارس العنف بجميع أشكاله: سبّ وشتم وهتك أعراض وقذف محصّنات، ضرب واعتداءات، تجاوز صلاحيات واستغلال نفوذ إلى جانب الغيابات والقائمة تطول.
مجلس نوّاب انتخبه الشعب ليمثّله ويعمل على تحسين أوضاعه المعيشية بمبادرات تشريعية عادلة ومنصفة ويراقب أداء الحكومة ويساءل أعضائها ويرفع المظالم عنه. وعلى مدار العشر سنوات المنقضية عاش التونسيّون على وقع انسلاخ مجلس النوّاب عن دوره الأساسي وبدل أن يكون الحل أو جزء من الحل صار المشكل أو منبع الإشكال. ضاق الشعب ذرعا من مجلس نواب وحكومة فخرج ونادى بحلّ البرلمان وتغيير الحكومة آخرها تلك التي جابت شوارع تونس العاصمة والعديد من الولايات التونسية يوم 25 يوليو 2021، حركة احتجاجية سلمية (رغم ما شابها من بعض الاختلالات كحرق مقرّات بعض الأحزاب) إذ استجاب رئيس الدولة التونسية حيث خرج واتخذ إجراءات استثنائية غير مسبوقة تمثّلت في تعليق عمل مجلس النوّاب و إعفاء رئيس الحكومة وإقالة عدد من الوزراء مستندا على الفصل 80 من الدستور التونسي الذي يسمح لرئيس الجمهورية بتأويل الدستور وفقا لرؤيته وتصوّراته في ظلّ غياب محكمة دستورية تفصل الجدل، محكمة دستورية وقع تغييبها عمدا خدمة لمصالح أطراف بعينها رغم مسارعة تلك الأطراف منذ أشهر قليلة بالتصويت على مشروع تعديل قانون المحكمة الدستورية الذي قابله قيس سعيّد بعدم الإمضاء عليه وإعادته على أنظار مجلس النوّاب.
الواضح أن هذه اللهفة في إرساء محكمة دستورية ليس لغرض استكمال المسار الديمقراطي بل مردّه الضغط على رئيس الجمهورية وتطويق صلاحياته وأيضا إمكانية عزله وذلك استنادا على الفصل 88 من الدستور وهو السيناريو الأكثر ترجيحا.
عودة للإجراءات الإستثنائية التي صادف إقرارها في الذكرى الـ 64 لعيد الجمهورية استقبلها غالبية التونسيين بالفرح والاستبشار من خلال احتفالات ضلّت لساعات الصباح الأولى ولكن في المقابل خرجت أصوات معارضة تندّد بهذه الإجراءات وأعلنته انقلابا على الدستور وعلى الشرعية ورجوعا إلى الدكتاتورية واغتصاب للديمقراطية. مع أن هناك من يدعم هذه الإجراءات الاستثنائية واعتبرها تعديل لبوصلة الدولة ومؤسساتها السيادية التي حادت عن مسارها الصحيح ولكنّ المؤكّد أن هذا الصراع الإيديوسياسي لا يمثّل أولوية المواطن التونسي البسيط فهو لم يحتج على تعليق نشاط مجلس النواب ولا على عدم تعيين رئيس حكومة فصراعه اليومي هو تأمين قوت يومه وأن يعيش بكرامة وتلك هي أهم ركائز الثورة التونسية: شغل، حرية، كرامة وطنية.
ذاك المواطن البسيط رفض أن يكون الوقود رغم البيانات المحرّضة على ثورة مضادة الهدف منها زعزعة الأمن وخلق التوتّر والعداوات بين أبناء الشعب الواحد فتكون ورقة رابحة بيد من خسروا المعركة ورُفعت عنهم الحصانة وجُمّدت صلاحياتهم أو تمت إقالتهم.
مرّ على تلك الإجراءات الاستثنائية أشهر ولا جديد يذكر لم يتم اعتقال المعارضين للرئيس وهذا ما جعل بعض الآراء مشككة بأن ما حدث في تونس هو انقلاب سياسي أو كما ذهب البعض الآخر إلى أنه تصحيح مسار واعتباره انقلابا شعبيا على طبقة سياسية أجرمت في حق شعبها، انقلاب على الفساد والفقر والمحسوبية والمصالح الضيقة والإستثراء غير المشروع والخيانة والعمالة والمتاجرة بآلام ومآسي التونسيين.
ومع ذلك ظهرت حركات أخرى معارضة لمسار 25 جويلية مثل "مواطنون ضد الانقلاب" و"جبهة الخلاص الوطني" تجوب الساحات وتؤجج الرأي العام من أجل اكتساب قاعدة شعبية وحشد شعبي يدعم توجّهها من أجل الضغط على رئيس الجمهورية الذي ماض في عزل عدة أطراف عن الحوار الوطني والسير قدما وفقا لخارطة الطريق التي سطّرها منها الاستفتاء الشعبي والانتخابات التشريعية السابقة لأوانها ووضع دستور جديد..
يمكن تلخيص الوضع في تونس حاليا في ثلاث كلمات: انتكاسة – انتفاضة – انتعاشة قد يختلف موقع الكلمات حسب وجهات النظر والخلفيات الإيديولوجية فمن كان مناصرا لقرارات الرئيس سيبارك هذا الترتيب ومن كان معارضا سيعيد خلط الكلمات ليشكّلها بهذه الطريقة: انتفاضة – انتعاشة – انتكاسة. بين هذا الرأي وذاك فإن المؤكّد والمتفق عليه هو ضرورة إيجاد حلّ للأزمة السياسية التي ألقت بظلالها على الوضع العام بالبلاد ويكون ذلك من خلال حوار وطني شامل يضم مختلف الأطياف والمكونات. ومن المنتظر تغيير النظام السياسي الحالي الذي أثبت فشله بالكاشف في الخروج من أزمة الرئاسات الثلاث (رئاسة الجمهورية – رئاسة الحكومة – رئاسة البرلمان) وبالتالي مواصلة مسار البناء الديمقراطي الراعي للحريات والضامن للحقوق والواجبات والنهوض بالوضع الاقتصادي والاجتماعي وهذا ما ينتظره المواطن التونسي البسيط العيش في أمن وسلام في مناخ سياسي واقتصادي واجتماعي متوازن.
author-img
نائب رئيس القسم الادبي هند خطاب

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent
    close