recent
أخبار ساخنة

تفاوت الأرزاق ..سر دوام الحياة بقلم : ناصر خليفة /وطني نيوز


بقلم : ناصر خليفة 

كثيرا ما تستوقفنا بعض المشاهد في الطريق العام وشوارع وسط المدينة، سواء كنا في مواصلات عامة أو سيارات خاصة، منها ما يزعجنا ويسيئ إلينا ويؤذي عيوننا، ومنها ما يسُر خاطرنا ويمنحنا الأمل، ولا بأس فهذا حال شوارعنا وكل شوارع الدنيا .. هذا المشهد موضوع المقال هو مشهد أعمال حفر بالأيدي العاملة من الشباب ومعهم من يكبرهم سنا في الاربعينات والخمسينات مثل عمري الآن .. هذا المشهد  صادفني بالأمس وكنت مترجلا في الشارع اقضي بعض احتياجات الأسرة - واقول بعض وليس كل الاحتياجات ! فهذا ما قضته علينا الاسعار !-  نظرت تجاه عمال يشتغلون ضمن مشروع تغيير شبكة "الصرف الصحي" في المنطقة التي اقطنها لا انكر أني تعاطفت معهم في البداية لكن حين ابتعدت عنهم فكرت مليا في مسألة التعاطف ! فأرجو أن يتسع صدرك وعقلك وتقبل ما سأوصيك به مما توصلت إليه وربما أكون على خطأ وربما تتفقون معي .. لا اطلب منك عدم التعاطف لكن لا تجعل العاطفة والشفقة تصل بك إلى الحد الذي تدعو لهم الله بأن يُغنيهم عن هذا العمل، خاصة عندما تشاهد بعضهم مجهدا متعبا يتصبب عرقا ! فلربما هذا الغنى الذي دعوت لهم به يجعلهم يستغنون عن عملهم هذا فيقعدون في بيوتهم، وقد يتكبرون ويتكاسلون عن عملهم.. فالله هو أعلم بهم وأرحم .
فيما أتصور أن هذه الدعاء الذي جاء نتيجة لتعاطفك الشديد؛ ربما كان "غير مطلوب" حيث أن هناك دعاء آخر اعتقد أنه أفضل لهم ولمشروع العمل القائم ومن ثم للمجتمع كُلِه؛ وهو أن تدعو لهم بأن يمنحهم الله القوة في أجسامهم والبركة في أجرهم الذي هو رزقهم المقدر من الله الذي جعل رزقهم في قوتهم وجهدهم البدني، كما جعل رزق آخرين في علومهم وشهاداتهم في التخصصات المختلفة وفي خبراتهم وذكاء عقولهم وأفكارهم، كما جعل رزق غيرهم في مهاراتهم الحرفية وصنعتهم، كذلك في التجارة و الزراعة و الصناعة، وغيرها من المهن التي يمتهنها الناس رجلا كان أم امرأة .. لتصبح كلها أسبابا متعددة للرزق فالله أمرنا بالعمل والأخذ بالأسباب بعد التوكل عليه {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} ( الكهف ٨٥) والرسول محمد قال : (اعملوا فكلٌ مُيسر لما خلق له) . فكل إنسان مُيسر  لما كتب الله له وقدر ..
لله في تقسيم الرزق حكمة بالغة فلم ينقص من أحد إلا لحكمة ولم يزد لأحد إلا لحكمة وبالعدل الإلهي، وبهذا  تدور حركة الحياة الدنيا وتستمر بدون خلل وبدون اضطراب، ولذلك جعلنا الله  في حاجة بعضنا البعض.. فأغنى شخص في العالم في أمس الحاجة لصانع الخبز الفقير وغيره من عمال أبسط الصناعات والحرف.. فلولا  احتياج الناس لبعضهم  وتدافعهم، وتنوع قدراتهم وأفكارهم وأرزاقهم، وتفاوت قواتهم وامكاناتهم واختلاف فئاتهم الاجتماعية والاقتصادية، وتباين رغباتهم وأذواقهم وثقافاتهم ولغاتهم؛ لتوقفت الحياة تماما ! وهذا ما لم يرده الله للحياة الدنيا.. الله اعلم بنا من أنفسنا، فهو الذي قال في كتابه الكريم: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} ( الشورى ٢٧).. الشاهد أن كثرة المال  ليس هو النعمة الوحيدة ولا تؤكد تفضيل الله لعبد دون عبد ،كما أن الفقر ليس دليل غضب أو عقاب نزله الله على عبده ليهينه ! بل كل ذلك هو من سوء ظن الإنسان بربه ! وهذا ما أكدته هذه الآيات :
{فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ } ( الفجر١٥ و١٦ ). وهذا ما نفاه الله عندما قال{ كلا} الى آخر الآيات ! 
فالمؤكد أن الغنى والفقر والشر والخير فتنة وابتلاء لاختبار العباد
{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} (الانبياء ٣٥) .. 
الإنسان لا يعجبه شيء إلا من رحم ربي . وكما يقولون في الأمثال الشعبية  :( ربنا لما وزع العقول كل واحد عجبه عقله ولما وزع الأرزاق محدش عجبه رزقه )
{وَكَانَ الْإنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا }(الكهف ٥٤) .
دمتم راضيين مرضيين
 
google-playkhamsatmostaqltradent
close